12) (ص863) في الشبهة الثالثة: ذكر أقوال من جعل مناط التكفير في آية: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} هو ترك الحكم فقط وذكر بعض من اشترط الجحد في التكفير في هذه الصورة ومن لم يشترط، مع أنه في عنوان الشبهة (ص862) قال: (ترك الحكم بما أنزل الله والحكم بخلافه) .
فإن أراد: (الحكم بخلافه) أي بشرع آخر فهذا كما عرّفناك ليس هو ما يشترط فيه السلف الجحد، ومن ثم فلا داعي هنا لإيراد مقالاتهم التي يشترطون فيها الجحد، ثم تكلّف الرد عليها، إذ ليس هذا مناطها ..
وإن أراد: (بالحكم بخلافه) الهوى والشهوة والمعصية والرشوة، وذلك لا شك كله خلاف حكم الله، فلا داعي هنا كما قدمنا لتخطئة من اشترط الجحد والاستحلال من السلف.
كما فعل مع ابن عباس رضي الله عنه حيث أورد ما يُنسب إليه من أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق) أهـ. (863) حيث جعل كلامه مصادمًا لنص الآية.
وقد عرّفناك فيما مضى أن كلام من قال مثل ذلك من السلف، غير مصادم للآية لأنهم لم يقولوا ذلك في مناطها بل قالوه في المناط الذي أنزلها الخوارج فيه.
وأن مناط الآية الذي أنزلت فيه هو ترك حكم الله مع التشريع أو التواطؤ والتحاكم إلى شرع آخر غيره، وهو الذي قال عنه البراء: (في الكفار كلها) ولم يخالف أحد من السلف في أنه كفر أكبر.
لأن اتباع غير تشريع الله شرك صراح كما نص الله تعالى في سورة الأنعام وغيرها، وابن عباس رضي الله عنه نفسه روى سبب نزول قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] ، كما رواه عنه الحاكم وغيره بإسناد صحيح، فابن عباس وسائر الصحابة لا يشكّون بأنّ متابعة غير تشريع الله كفر مجرّد، ومن ثم فلم يشترط أحد منهم للتكفير بذلك، الجحد أو الاستحلال، وإنما اشترطوا ذلك لما هو من جنس المعاصي غير المكفرة، وقد عرفت صورته فيما تقدم.