الصفحة 20 من 59

وقد أنكر صاحب (الجامع) على كاتب الضوابط عدم تكفيره لتلك الصورة، كما أنكر على غيره من قبل ومن بعد، وقال هنا: (إن الحكم بالكفر في آية المائدة ترتب على ترك الحكم بالشريعة في قضية واحدة، وهي حكم الزاني المحصن) أهـ.

وهذا غير سديد، فإن الناظر في سبب النزول يتضح له أن الحكم ترتب على ترك جنس الحدّ في الزاني المحصن، والتشريع أو التواطؤ على غير حد الله في هذا الباب، فها هنا جريمتان كلاهما مكفر:

ترك جنس حد الله في الزنا (التوليّ والإعراض عنه) ، أي (عدم التزامه) .

والتشريع أو التواطؤ والاجتماع أو متابعة والتزام تشريع آخر في عقوبة الزنا.

وهذا هو الكفر الذي تحدثت عنه الآيات وسواء بعد ذلك، طبّق التشريع المبدّل مرة واحدة أو مرات عديدة، أو لم يطبق في بعض الأحوال، فذلك الإعراض عن جنس حد من حدود الله الكلية كفر أكبر، والتشريع لعقوبة أخرى فيه كفر أكبر أيضًا، ومتابعة ذلك التشريع والتزامه كفر أكبر. وليس الكفر الوارد في سبب النزول هو ما قاله المؤلف مرارًا، لمجرد ترك حكم الشريعة في قضية واحدة، فأدخل في كلامه هذا، القاضي الملتزم بشرع الله أصلًا، يدين به ولا يتبع تشريعًا غيره وإنما مخالفته تكون بترك تنزيل الحكم الشرعي أحيانًا للهوى والرشوة ونحوها، وهي الصورة التي اختلفت فيها مقالات السلف وهذا يندرج تحت ترك بعض الطاعة (جزء الطاعة) لا الانخلاع عن جنسها الذي يعرف بكفر التولي والإعراض.

وحتى أجلّي الفرق بين النوعين: أرجعك إلى حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح مسلم والذي يحكي سبب نزول الآيات:

تأمل قول عالمهم فيه أولًا: (نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت