فإلى هنا كانت جريمتهم هي ترك الحكم بما أنزل الله في جريمة زنا المحصن أحيانًا ظلمًا وجورًا ومعصية سواء لأجل القرابة أو مراعاة للأغنياء أو أكلًا للرشوة والسُّحت، ولكن من دون التولي عن جنس الحدِّ بالكلية أو اتباع لتشريع آخر فيه.
وهي الصورة التي اختلفت مقالات السلف في شيء قريب منها، فأوَّل بعضهم الكفر في مناظراتهم لمن أنزل آية المائدة على ذلك، فقالوا: (كفر دون كفر) أو: (ليس الكفر المخرج من الملّة) ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (أنها الكفر) ، وهو النوع الذي يخلط فيه ويلبّس مرجئة العصر فينزلون أقاويل السلف فيه على واقع اليوم التشريعي الطاغوتي فيحشرونه في غير مناطها، ومن ثم يتهمون من كفّر طواغيت العصر بأنه انحرف عن سبيل المؤمنين وكفّر عصاة المسلمين وسلك مسلك الخوارج.
وهي الصورة التي يتبنى فيها المصنف ظاهر قول ابن مسعود رضي الله عنه ويخطّىء لأجل ذلك كثيرًا من المتقدمين والمتأخرين القائلين بخلافه.
ثم تأمل قولهم بعد ذلك في حديث مسلم: (قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم) أهـ.
فها هنا ارتكبوا جريمتين كل منهما مكفر:
الأولى: ترك جنس حدِّ الله في الزاني المحصن بالكلية والإعراض عنه وعدم التزامه. (أي ترك جنس الحكم بما أنزل الله والتولّي عنه في هذا الباب) .
والثانية: التشريع مع الله أو تبديل حد من حدود الله، أو التزام شرع غير شرع الله (أي: حكموا بغير ما أنزل الله وتحاكموا إلى الطاغوت) .
وهذا عين الجريمتين اللتين يكفرُ بهما طواغيت العصر، ولكن بصورة أخبث وأوسع، فإن اليهود في هذا الخبر تركوا جنس حكم الله في الزنا وأعرضوا عنه وتواطأوا على تشريع آخر فيه، فكفروا كفرًا أكبر.
أما طواغيت العصر فقد مارسوا ذلك وفعلوه لكن في جميع حدود الله وأحكامه.
فترك جنس حكم الله ولو في حدٍّ واحد من حدود الله كفر أكبر.