وهذه الصورة غير المكفّرة ضابطها كما عرفت ما ورد في عبارات السلف من أن يكون المرء ملتزمًا بشرع الله وأن ذلك دينه الذي يدين به ومعنى هذا أنه لا يتحاكم عند تركه الحكم في الواقعة إلى غير شرع الله وأن أصل حكمه وعمومه هو حكم الله، وأنه إذا خالف عرف أنه قد ارتكب ذنبًا، ومعنى ذلك أنه لم يترك جنس حكم الله ولا تولى عنه أو أعرض بالكلية، ولذلك اقترحنا في أوّل هذا التنبيه أن يقول:"فترك جنس الحكم بما أنزل الله أو الإعراض والتولي عنه ذنب مكفّر شأنه شأن ترك جنس الصلاة أو الإعراض والتولي عنها"ليخرج بذلك القاضي العاصي أو الفاسق أو الظالم الذي يلتزم حكم الله في قضائه ولم يتركه أو ينسلخ عنه وإنما يترك تنزيل حكم الله في الواقعة كمعصية أحيانًا دون أن يُحكّم شرعًا سواه، وهي الصورة التي يمثل بها السلف، وفيها ورد الخلاف، شأن ذلك شأن تارك الصلاة، فمعلوم خلافهم فيمن ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها والأصل أنه من المصلين، وتفريق كثير منهم بين هذا وبين من ترك جنس الصلاة بالكلية.
وننبه هنا حتى لا يُساء الفهم، أننا نعني بترك جنس الحكم، ليس ترك عموم أحكامه وحدوده، فالطواغيت اليوم كما يرقّع لهم من يرقّع، يزعمون أنه لا تخلو قوانينهم من أشياء توافق حكم الله - أو مأخوذة منه بزعمهم - وهذا مع أنه لا اعتبار له لأنهم لم يأخذوا بذلك استسلامًا لحكم الله وانقيادًا لأمره، بل لأنه جاء موافقًا لأهوائهم ولأن الدستور والقانون قد نص عليه فهم يتابعون بذلك أمر الدستور لا أمر الله وإلا لحكموا بكافة شرع الله إن لم يكن الأمر كذلك، ثم إن تلك الأحكام التي يزعمون أنها من الشرع؛ محكومة أولًا وآخرًا بدساتيرهم الوضعية التي تهيمن على كافة القوانين بحيث تُفهم وتُفسّر جميع القوانين بناء على مبادئه الكفرية ووفقًا لخطوطه العلمانية.