قلت: لو قال: أن الإعراض عن الحكم بما أنزل الله أو التولي عن الحكم بما أنزل الله، أو ترك جنس الحكم بما أنزل الله، ذنب مكفّر شأنه شأن ترك جنس الصلاة، أو الإعراض والتولي عنها، لكان ذلك كفر بالاتفاق، لأنه كفر تولٍّ وإعراض، ولخرج بذلك من الإشكال الذي وقع فيه حيث اضطر أن يخطِّىء طائفة من العلماء المتقدمين والمتأخرين؛ كي يصحح ما ذهب إليه من تكفير الملتزم بشرع الله، الذي لا يدين إلا به ولا يحكم إلا بظل أحكامه، إذا ما زلَّ أو عصى فترك الحكم الشرعي، ولم ينزله في الواقعة لشهوة أو رشوة أو قرابة وهو يعلم أنه مقترف بذلك ذنبًا، دون أن يحكم بشرع سواه.
وهي الصورة التي تتكرر في كلام كثير من العلماء حين يمثلون بالحكم بغير ما أنزل الله كمعصية وذنب من الذنوب غير المكفرة، إذ هي وإن كانت تركًا مجردًا للحكم، وليس فيها تحاكم لغير شرع الله، لكنها لما كانت تحكيمًا للهوى والشهوة أو الرشوة، جاز أن تسمى حكمًا بغير ما أنزل الله، ولكن ليس بالمعنى الكفري الاستبدالي التشريعي، أو الذي فيه تحكيم وتحاكم إلى الطواغيت، فهذا لم تختلف مقالات السلف في كونه كفرًا أكبر، أما النوع الأول الذي يتكلم فيه المصنف هنا فمعلوم خلافهم فيه وقد اعترف بذلك الخلاف ثم رجّح قول ابن مسعود، وهذا الترجيح الذي رجّحه جعله يخطّىء بعد ذلك، كل من خالفه من المتقدمين والمتأخرين.