أقول: بل الصواب أن مثل هذا هو من حكّام الجاهلية ومن قضاة الطاغوت، وقد حكم بغير ما أنزل الله، وذلك بعمله بالمادة القانونية التي تنص على أنه لا عقوبة أو لا جريمة إلا بنص قانوني، وتبرئته لشارب الخمر في الملهى المرخص ليس إلا حكمًا بهذا النص الكفري، فالحكم يكون تارة بالتجريم وتارة بالتبريء، فمن بَرّأ أو جَرّم وفقًا ومتابعة لغير أحكام الله، فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه.
فذلك القاضي الذي مثّل به المصنف، جامع دون شك لجريمة ترك حكم الله، وجريمة الحكم بغير ما أنزل الله، وهو لا شك كافر، وإنما يصْلح التمثيل لترك حكم الله المجرد، بالقاضي الحاكم بشرع الله، والذي هو دينه الذي يلتزمه ويدين به - كما في عبارات السلف - وإذا خالفه في الحكومة أو الواقعة علم أنه ارتكب معصية.
كأن يترك تنزيل الحد الشرعي مثلًا على قرابته أو من قَبَضَ منه رشْوَة بأن يكذب ويدلّس ويزعم أن السرقة مثلًا لم تكن من حِرْز فلا يحكم بالقطع بل بالتعزير.
فهذه الصورة يصلح أن يمثل بها على ترك الحكم بما أنزل الله الذي هو من كبائر الذنوب والمعاصي، إذ هو ترك لحكم الله، متابعة للهوى والتدليس والرشوة، لمن هو في أصل دينه وحكمه ملتزمًا بشرع الله.
وهذه هي الصورة التي اختلف فيها السّلف؛ فقال بعضهم بظاهر الآية، فكفّر فاعلها كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه، والأكثرون على أنه كفر دون كفر، ما لم يستحل ذلك، شأنه شأن سائر الكبائر والذنوب غير المكفّرة كفرًا أكبر.
10)قال المصنف (ص523) : (والخلاصة أن مجرد ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر، فترك الحكم ذنب مكفر شأنه في ذلك شأن ترك الصلاة ... الخ) .