وإذا كانت السمة البارزة للعولمة هي فرض قالب معين للحياة - هو القالب الأمريكي - ليتقولب الناس في داخله قسرا ، ولو كان مقاسهم مختلفا عن مقاسه ، فتتم قولبتهم ببتر بعض أعضائهم أو تحطيمها ، فإن الإسلام - دين الله - يقر الاختلاف كأمر واقع ، فرضه الله في الخليقة لحكمة يريدها:
( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ... ) (1) .
إنما يلزم الإسلام معتنقيه بثوابت معينة ومعايير معينة يعلم الحكيم الخبير أنها لازمة لتكوين الإنسان الصالح ، الذي يصلح أن يكون خليفة في الأرض:
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (2) .
( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... ) (3) .
ولكنه - حتى مع معتنقيه - لا يجعلهم نسخا مكرورة كالآلات . والدليل الواقعي هو اختلاف المذاهب واختلاف الآراء ، الذي أقرته الأمة منذ يومها الأول ، ولم تضق به ، ولم تضيق عليه ، إنما تضيق على الذين يخرجون على الثوابت بحجة الحرية الشخصية أو حجة الاجتهاد أو غيرها من المعاذير للتفلت من دين الله .. فهؤلاء حكم الله فيهم أنهم مرتدون .
أما غير معتنقيه فإن كانوا يعيشون على أرضه وتحت رايته"فلهم ما لنا وعليهم ما علينا"وإن كانوا خارج أرضه وخارج سلطانه فإن كانوا محاربين يحاربون ، وإن كانوا مسالمين يعاهدون ، ويعاملون بالقسط:
(1) سورة هود [ 118 - 119 ] .
(2) سورة البقرة [ 30 ] .
(3) سورة ص [ 26 ] .