والآخر قوي ممكّن في الأرض ، متقدم في الجوانب المادية والعلمية ، ولكنه محروم من البركة والطمأنينة ، يعج بالقلق والانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية والمخدرات والجريمة .. كما أن أحدهما - مع قوته وتمكنه - لا يسعى إلى ظلم الآخرين وسلب أقواتهم والتحكم المذل فيهم ، بينما الآخر قوة غاشمة لا تكف عن العدوان وإذلال الآخرين لا لشيء إلا لإرواء شهوة السلطان !
عندئذ لم تكن لتوجد الفتنة .. أو في القليل لم تكن الفتنة لتجتاح كل الأرض !
لقد كان غياب الأمة الإسلامية عن الساحة هو الكارثة الحقيقية التي أصابت البشرية ، لأنه أخلى الساحة من النموذج الصحيح للحضارة الإنسانية ، وأتاح للنموذج المنحرف أن ينفرد بالساحة ، وأن يفتن الناس عن ربهم وآخرتهم ودينهم وأخلاقهم .. وإنسانيتهم !
ولقد كانت حكمة الله من إخراج هذه الأمة أن ترشد الناس .. كل الناس .. إلى النموذج الصحيح:
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (1) .
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (2) .
وحين قامت برسالتها على الوجه الصحيح أخرجت كثيرا من الناس من الظلمات إلى النور ، سواء من آمن بالإسلام والتزم به ، أو اقتبس من نوره دون أن يؤمن بخ كما فعلت أوربا في مَخْرَجها من قرونها الوسطى المظلمة ..
ولكنها حين تقاعست عن أداء رسالتها ، بسبب ما أصابها من أمراض في مسيرتها ، فقد أتاحت الفرصة للطاغوت أن يبسط نفوذه على البشر ، ويخرجهم من النور إلى الظلمات .
(1) سورة البقرة [ 143 ] .
(2) سورة آل عمران [ 110 ] .