وليس بنا هنا أن نفند هذه الفتنة فقد فندناها في أماكن أخرى (1) .
ولكن يعنينا كثيرا أن نبين مسئولية الأمة الإسلامية في هذه الفتنة ، وهي مسئولية ضخمة في الحقيقة .
فلو أن الأمة الإسلامية لم تقع في أمراضها التي سردنا جانبا منها فيما سبق ، أو لو أن الأمة عالجت أمراضها أولًا بأول ولم تدعها تستفحل كما حدث بالفعل ، فإن صورة أخرى غير الواقع الحالي كانت قمينة أن تقع في الأرض بتقدير الله .
كانت أوربا ستتقوى بما تعلمت من علوم المسلمين ، وبالإضافات التي أضافتها إليها في انطلاقتها الفتية التي اكتسبتها من تحطيم القيود التي كانت الكنيسة تكبلها بها باسم الدين .. ولكنها أولا: لم تكن لتبلغ ما بلغته اليوم من القوة ، فإنها لم تبلغ هذا المدى من القوة إلا بضعف المسلمين حين انطلقت أوربا الصليبية - مدفوعة بصليبيتها - تحتل بلاد العالم الإسلامي ، وتسرق مواردها ، وتضاعف ثروتها ، وتستزيد كل يوم من وسائل القوة التي تمكنها من مزيد من السيطرة ، ومزيد من سلب ثروات المسلمين .. ثم إنها ثانيا: لم تكن لتكون هي النموذج الوحيد أمام الناس للقوة والتمكين . إنما كان سيوجد نموذجان للتمكين والقوة ، أحدهما مؤمن والآخر كافر ، فيسهل على الناس أن يميزوا بين كلا النوعين ليختاروا أحسنهما . فأحدهما قوي ممكّن في الأرض ، متقدم متحضر متعلم مثقف نشيط متحرك ، تحفّه البركة والطمأنينة:
( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (2) .
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) (3) .
(1) انظر على سبيل المثال:"قضية التنوير في العالم الإسلامي".
(2) سورة الرعد [ 28 ] .
(3) سورة الأعراف [ 96 ] .