الصفحة 18 من 54

وهنا ولدت الكارثة التي تعاني منها البشرية إلى هذه اللحظة ، وهي وجود قوة مادية وعلمية واقتصادية وتقنية هائلة ، مع انحطاط روحي وأخلاقي بالغ المدى ، لم تهبط البشرية إلى مثله في تاريخها كله ..

هذا الوضع - على غرابته - لا يشكل مشكلة بالنسبة للمسلم الواعي الذي يدرك السنن الربانية ، ويعلم من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم كيف تجري الأمور في واقع البشر محكومة بهذه السنن التي لا تتبدل ولا تتحول . ولا يشكل هذا الوضع له فتنة تفتنه عن دينه ، لأنه يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ .. ) (1) فيعلم أنه لا تناقض ولا غرابة في أن يكون القوم كفارا وملاحدة ، وأن تكون أبواب كل شيء من القوة المادية والعلمية والاقتصادية والحربية والسياسية مفتوحة لهم إلى حين يقدره الله سبحانه وتعالى بحكمته: ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا(2) أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (3) .

نعم ! لا غرابة في هذا الوضع بالنسبة للمسلم الواعي الذي يدرك سنن الله . ولكنه فتنة ضخمة لمن لا يدرك هذه السنن وحكمتها ، لأن الحسبة ستكون في رأسه على هذا النحو: لقد كانت أوربا في يوم من الأيام متدينة ، فكانت تعيش في ظلام مطبق ، وكان يحيط بها الجهل والجمود من كل جانب ، فلما نبذت الدين تقدمت وتحضرت وقفزت قفزات هائلة في كل اتجاه ! إذن .. فالدين صنو للظلام والتأخر ؛ والكفر والإلحاد والتمرد على الدين صنو للتقدم والتحضر و الرقي !!

أية فتنة لمن طمست بصيرته عن إدراك سنن الله وحكمتها ؟!

(1) سورة الأنعام [ 44 ] .

(2) أي استولى عليهم الغرور ، وطغوا في الأرض بغير الحق .

(3) سورة الأنعام [ 44 - 45 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت