وكانت أوربا - بهذه التأثيرات - على وشك أن تدخل في الإسلام كما يقول المؤرخ البريطاني ويلز في كتاب"معالم تاريخ الإنسانية" (1) وكما يشير غيره من المؤرحين والكتاب الغربيين (2) .
وهنا جن جنون الكنيسة الأوربية ، وقامت تحارب النفوذ الإسلامي بضراوة ووحشية ، عن طريق محاكم التفتيش من ناحية ، كما كلفت كتابها وشعراءها من ناحية أخرى أن يشوهوا صورة الإسلام في نفوس الأوربيين ، ويرموه بكل نقيصة ، لينفروا منه الراغبين فيه ، أو المتأثرين بحضارته وعلومه وفكره .
ويجب أن نعرف - نحن المسلمين بصفة خاصة - أن جوردانو برونو أحرق حيا ، وهدد كوبرنيكوس وجاليليو بالحرق أحياء لأنهم تبنوا أفكارا علمية مستمدة من العلماء المسلمين . فكان حرق من أحرق والتهديد بحرق الآخرين موقفا صليبيا في مبعثه ، وفظا متوحشا كطابع الحروب الصليبية كلها من أول التاريخ إلى اللحظة الراهنة ، التي رأينا نماذج منها في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان ( في عصر الديمقراطية والحرية واحترام"الآخر"!! ) وإن كانت المراجع الأوربية لا تشير بطبيعة الحال إلى هذه الحقيقة ..
إنما الذي يهمنا هنا أن نبين أنه نتيجة لأفاعيل الكنيسة وقعت أوربا في مأزق ضخم كانت آثاره وبالًا على البشرية . فطغيان الكنيسة في القرون الوسطى ( الذي لم تشعر أوربا أنه طغيان إلا بعد احتكاكها بالإسلام والمسلمين ) كانت نتيجته أن أوربا نفرت من دين الكنيسة وتمردت عليه . وفظاظتها في حرب النفوذ الإسلامي بالتعذيب والتشويه كانت نتيجته أن أوربا نفرت من الإسلام ولم تدخل فيه ، فرجعت أوربا إلى ميراثها الإغريقي الروماني الوثني تستمد منه أفكارها وقيمها ومبادئها في عداء واضح مع الدين .
(1) جـ 3 ص 966 من الترجمة العربية - ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة .
(2) انظر على سبيل المثال"شمس الله تشرق على الغرب"من تأليف زيجريد هونكة .