ولم يكن ذلك بسبب"الدين"كما يزعم المطموسو البصيرة الذين أضاع الغزو الفكري ألبابهم ، إنما كان - كما هو واضح - بسبب البعد التدريجي عن حقيقة الدين .
وفي الوقت الذي بدأت فيه الأمة الإسلامية تضعف وتنكمش وتنحسر ، كانت أوربا قد بدأت تبرز وتتقدم وتتوسع ، في جميع المجالات التي انحسر فيها الوجود الإسلامي !
وكان في هذا الوضع جملة من المفارقات ، تبدو غريبة لأول وهلة ، ولكنها منطقية ومفهومة إذا عرضناها على السنن الربانية ، وعلى وعد الله ووعيده .
كانت نهضة أوربا - كلها تقريبا - مستمدة من أصول إسلامية ، ومع ذلك كان موقف أوربا من الإسلام هو موقف الجاحد الحاقد المتربص المتنمر المتأهب للانقضاض !
كانت أوربا قد خرجت من قرونها الوسطى المظلمة على هدى ما اقتبسته من علوم المسلمين وفنونهم وحضارتهم ، ولكنها كانت في الوقت ذاته معادية للإسلام والمسلمين .
ولم يكن هذا رد الفعل التلقائي ، أو الطبيعي في مثل هذا الموقف .
لقد ظلت أوربا في قرونها الوسطى المظلمة ما يقرب من عشرة قرون ، لا تحس أنها في ظلام ! ولم تشعر بالظلام وترغب في الخروج منه إلا حين رأت النور ! نور الإسلام !
وقد كان احتكاكها بالإسلام - الذي أخرجها من الظلمات إلى النور - عن طرق ثلاث . أحدها الحروب الصليبية التي أطلعت الأوربيين على بلاد تعيش حياة مختلفة تماما عن حياتهم في كل اتجاه ، ثم العلاقات التجارية التي أقامتها جنوة والبندقية وغيرهما بالعالم الإسلامي ، ثم البعوث التعليمية التي أرسلتها أوربا إلى المدارس الإسلامية في الأندلس وصقلية الإسلامية وغيرهما من بلاد المسلمين ، والتي عاد منها أولئك المبعوثون في شغف هائل بالحضارة الإسلامية والعلوم الإسلامية والفكر الإسلامي ..