وقال أيضًا:"وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك؛ فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك".اهـ [مجموع الفتاوى 24/ 277] .
قال أبو همام: بل في الأدلة الشرعية ما يؤيد قول أهل السنة والجماعة، منها:
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة: 275] .
وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون". [انظر: تفسير ابن عطية 2/ 480] .
قال الإمام القرطبي رحمه الله:"في هذه الآية دليلٌ على فساد إنكار من أنكر الصَّرع من جهة الجِنِّ، وزعم أنه من فِعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مَسٌّ، وقد مضى الردُّ عليهم فيما تقدَّم من هذا الكتاب".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 4/ 391] .
وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله:"فتخبّط الشيطان المرءَ جعله إياه متخبّطًا، أي متحركًا على غير اتّساق. والذي يتخبّطه الشيطان هو المجنون الذي أصابه الصرع. فيضطرب به اضطرابات، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام .."
والمسّ في الأصل هو اللمس باليد كقولها:"المَس مس أرنب"، وهو إذا أطلق معرفًا بدون عهد مسٍّ معروف دل عندهم على مسّ الجن، فيقولون: رجل ممسوس أي مجنون.
وإنما احتيج إلى زيادة قوله: (من المس) ليظهر المراد من تخبط الشيطان فلا يظنّ أنه تخبط مجازي بمعنى الوسوسة. و (مِن) ابتدائية متعلقة بيتخبطه لا محالة".اهـ [التحرير والتنوير 2/ 550] ."
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: 201] .
قال العماد ابن كثير رحمه الله:" (إذا مسهم) أي أصابهم (طَيْفٌ) وقرأ آخرون: (طائف) وقد جاء فيه حديث، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل: بمعنى واحد. وقيل: بينهما فرق. ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه ..".اهـ [تفسير القرآن العظيم 2/ 350] .