وقال أيضًا:"كما يختلف الإنسان وحاله عند الكلام إذا حلّ فيه الجني، وإذا فارقه الجني؛ فإن الجني إذا تكلم على لسان المصروع ظهر الفرق بين ذلك المصروع وبين غيره من الناس، بل اختلف حال المصروع وحال كلامه وسمع منه من الكلام ما يعلم يقينًا أنه لا يعرفه، وغاب عقله بحيث يظهر ذلك للحاضرين، واختلف صوته ونغمته".اهـ [الجواب الصحيح 2/ 46 - 47] .
وقال أيضًا:"فإنه يصرع الرجل؛ فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربًا عظيمًا لو ضرب به جمل لأثَّر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول آلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور، من شاهدها أفادته علمًا ضروريًا بأن الناطق على لسان الإنسي، والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان".اهـ [مجموع الفتاوى 24/ 277، وانظر: الجواب الصحيح 4/ 12] .
وقال أيضًا:"وقد يخبرون -أي: الجن الصارعين- بأمور غائبة مما رأوه وسمعوه، ويدخلون في جوف الإنسان ..".اهـ [النبوات ص399] .
وقال الإمام البقاعي رحمه الله:"مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات، وهو مصروع غائب الحس، وربما كان يلقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع؛ فكثير جدًا لا يحصى مشاهده ... إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين".اهـ [نظم الدرر 4/ 112] .
وبعد؛ فإذا ثبت ذلك عندك -أخي السائل- بما سقناه لك من المنقول والمعقول، فلا تُعكر عليك شبهة القوم، التي مفادها: إذا صح أن الجن يدخل في بدن المصروع، فكيف يُصرع بعض الناس في رمضان، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشياطين تُصفد في رمضان -كما في الصحيحين-؟!
فيُجاب على هذه الشبهة من عدة أوجه:
الوجه الأول: آمنا به، كل من عند رسول ربنا صلى الله عليه وسلم، ذكر ابن أبي يعلى في"الطبقات"1/ 185، والعليمي في"المنهج"1/ 297: أن عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله سأل أباه عن كيفية التوفيق بين حديث تسلسل الشياطين في رمضان، ورؤية المجنون يُصرع في رمضان؟! فأجابه بقوله:"هكذا الحديث، ولا نتكلم في هذا".اهـ
الوجه الثاني: قد يكون المراد بالحديث تصفيد مردة الشياطين، لا كلهم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك"