إن المسلم لا يحترف التأييد ولا يحترف المعارضة، إنما يدور مع الحق حيث دار .. وقد يخطئ اجتهاده، ويغيب عنه وجه المصلحة فيحسبه هنا وهو هناك .. ولا حرج في ذلك، وله أن ينادي بما يعتقد أنه حق، لا تعصبًا لرأيه، وله أن يغيّر رأيه - بلا حرج - إذا تبين له أن اجتهاد غيره أصوب، كالخلاف الذي وقع بين عمر وبلال رضي الله عنهما في مسألة الفيء، فرأى عمر رضي الله عنه رأيا فعارضه بلال رضي الله عنه، وأصر زمنًا على معارضته، حتى صار عمر رضي الله عنه يدعو فيقول: اللهم اكفني بلالا وأصحابه! وفي الأخير فاء بلال رضي الله عنه إلى رأي عمر، فغيّر موقفه من المسألة بغير حرج حين اقتنع بأن اجتهاد عمر أصوب من اجتهاده ..
هكذا تجري الأمور في الشورى الأسلامية .. فهل يستلزم هذا قيام أحزاب ثابتة متعددة تحترف التأييد تارة والمعارضة تارة حسب موقعها من كراسي الحكم؟!
إنني لا"أفتي"في هذه القضية، وأترك أمر الفتوى للفقهاء .. وإن كنت أرى أنه من العبث مجادلة العلمانيين في هذا الأمر في الوقت الحاضر، ولكني أبين فقط كم اجْتَرَفَنَا الغزو الفكري، فأصبحنا لا نرى الأمور إلا بمنظار الغرب، الذي تشكل في ظروف تاريخية معينة، ليرى الأمور على صورة معينة، قد لاتكون بالضرورة لازمة في ظروف أخرى وأوضاع مغايرة ..
أما تداول الحكم فما المقصود به؟!
إن من حق المسلمين أن يناقشوا حاكمهم، ويردوه إلى الصواب إذا أخطأ، ويغيروه إذا أصر على الخطأ، بالطريقة التي اتفق عليها فقهاء السياسة الشرعية ..
أما أن يكون تداول الحكم أصلا من الأصول يطلب لذاته، ويمارس فقط بغية"الوجاهة"و"العصرانية"فأمر لا تفسير له إلا الغزو الفكري الذي يلعب بالعقول!
والقضية على أي حال لها خبئ عند العلمانيين غير الظاهر الذي تناقش المسألة في إطاره ..
إن العلمانيين يريدون أن يقولوا للإسلاميين - وقد قالوا بالفعل - تعهدوا لنا أيها الإسلاميون أنكم إذا وصلتم إلى الحكم - رغم كل تضييقاتنا عليكم، ومحاولتنا منعكم من الوصول إليه - تعهدوا لنا أن"تَسْقُطُوا"بعد فترة محددة، وتسلمونا الحكم بعدكم! وإلا فلن نوصلكم أبدا مهما حاولتم، ولو استعملنا ضدكم الحديد والنار .. ولتذهب الديمقراطية يومئذ إلى الجحيم! فإنما نحن لجأنا إلى الديمقراطية أملا في أنكم لن تصلوا عن طريقها أبدًا إلى أغلبية شعبية توصلكم للحكم، أما وقد ازداد خطركم بحيث يمكن أن تصلوا عن طريق صناديق الانتخاب كما حدث في الجزائر .. فلتحترق الديمقراطية ولتذهب إلى أبد الآبدين!
نقول للعلمانيين إنه - من الوجهة النظرية البحتة - ليس هناك مانع أن يتغير عهد ويأتي عهد آخر .. ولكن العهد الأول والعهد الآخر لا بد أن يحكما كلاهما بشريعة الله! لأنه لا يتأتى لمسلم أن يحكم الناس بشريعة غير شريعة الله، فيقع في الشرك المخرج من الملة، ويقعون هم - إذا رضوا بذلك وتابعوه - في الشرك المخرج من الملة.
وقد لجأ العلمانيون في حواراتهم مع الإسلاميين إلى محاولة إحراجهم، فقالوا لهم أتقبلون الديمقراطية أساسا للحكم؟ قالوا: نعم! والإسلام أبو الديمقراطية! فقالوا لهم: أتقبلون التعددية؟ قالوا: نعم! ولها أصل في الإسلام! فقالوا، وتقبلون تداوال الحكم؟!
نقول للعلمانيين: إنه لا يوجد مسلم يملك أن يوافق على حكم يحكم بغير ما أنزل الله، ولا أن يتعهد بالموافقة على ذلك، لأنه يخرج بذلك من الإسلام.
إنما يخضع المسلمون اليوم لحكومات تحكمهم قهرًا بغير ما أنزل الله لأنهم مستضعفون في الأرض، في ظل السيطرة الصليبية الصهيونية على الأرض اليوم ..
أما أن يوافقوا .. أما أن يرضوا .. فدون ذلك نار جهنم والعياذ بالله ..