الصفحة 41 من 59

وقف عمر يخطب الناس في المسجد فقال: أيها الناس! اسمعوا وأطيعوا! فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه: لا سمع لك علينا اليوم ولا طاعة! فلم يغضب، ولم يحتقن قلبه غيظا من ذلك الذي يتحدى سلطانه - سلطان الخلافة - بل قال متسائلا: ولمه؟ قال سلمان: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به، وقد نالك برد واحد كما نال بقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد! فلم يغضب عمر مرة أخرى، بل نادى في المسجد: يا عبد الله! فلم يجب أحد لأن كل الناس عبادٌ لله وهو لم يحدد أيهم يريد! فقال: يا عبد الله بن عمر! قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: نشدتك الله! هذا البرد الذي ائتزرت به، أهو بردك؟ قال: نعم! والتفت إلى المسلمين يقول: إن أبي رجل طوال لا يكفيه البرد الذي ناله كبقية المسلمين، فأعطيته بردي ليأتزر به! قال سلمان: الآن مر! نسمع ونطع!

من أبن جاء هذا النموذج الفذ؟ هل له مصدر غير الإسلام؟

ولننظر في تاريخ الديمقراطية كله .. هل حوى نموذجا في روعة ذلك النموذج؟

الإسلام إذن هو أبو"الحقوق السياسية للأمة"التي تمنح الأمة حق مساءلة الحاكم على الصغيرة والكبيرة، وتعلق طاعة الحاكم على طاعته هو لله ورسوله ..

ولنأخذ من سيرة عمر رضي الله عنه ذلك النموذج الآخر:

قام عمر يوما يخطب الناس فقال: أيها الناس! إن أحسنت فأعينوني، وإن رأيتم فيّ اعوجاجا فقوّموني!

أرأيت! إنه يحرض الناس على مراجعته وتقويمه، ولا ينتظر حتى يقوموا هم بذلك فيذعن لهم، وهو أقصى ما حققته الديمقراطية في عالم الواقع .. ولكن الحادث الفذ لا ينتهي هنا، وهو في ذاته رائع .. إنما يمتد وراء ذلك ..

قال سلمان رضي الله عنه: والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف!

فيقول عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوّمه بحد سيفه!!

سيقولون: حادث فذ لا يتكرر .. ولم يتكرر ..

نقول نعم! ولكن من صنعه؟ أثمة شيء غير الإسلام؟

وأنتم تقولون إن الديمقراطية تمنح الناس مثل هذه الحقوق، ويمارسها الناس هناك.

ونتغاضى الآن عن جملة من الحقائق التي يدركها كل باحث في الديمقراطية الرأسمالية الغربية، وهي أن هذه الحريات كلها تتلاشى حين تُمسُّ مصالح الرأسمالية أو تصطدم بالنفوذ اليهودي. ويكفي للدلالة على ذلك مقتل كنيدي عام 1963 حين اصطدمت سياسته بالمصالح اليهودية، كما يكفي للدلالة سحب درجتين جامعيتين واحدة في فرنسا والثانية في أمريكا، وتنزيل صاحبيهما في استدرار عطف العالم وجره إلى الموافقة بل الترحيب - بسلب حقوق العرب في فلسطين!

نتغاضى الآن عن ذلك، ونقول للعلمانيين: أنتم تقولون إن الديمقراطية تمنح الناس هذه الحقوق وتربيهم عليها، فما الذي يمنع إذن من تربية الناس عليها في الإسلام، وهي نتاج إسلامي أصيل مارسه المسلمون قبل بزوغ الديمقراطية بأكثر من ألف عام؟!

هل يمنعنا الواقع الإسلامي التاريخي الذي فرط في الحقوق الربانية؛ ووقع فيه الاستبداد؟

ولماذا يمنعنا؟

ألستم تنادون بدعوة جديدة وحياة جديدة ومثل جديدة في ظل الديمقراطية؟

ونحن ندعو بدعوة ليست جديدة! دعوة"رجعية"جدا .. تعود إلى عهد الخلافة الراشدة! ونقول للناس: ارجعوا إليها!

فإذا أمكن تحقيق دعوتكم في ظل العلمانية، فلماذا لا يمكن تحقيق دعوتنا في ظل الإسلام؟!

يقولون في دعاواهم إن الإسلام بطبيعته"أحادي النظرة"لا يقبل إلا وجهة نظر واحدة، ولا يحترم وجود"الآخر"ولا"الرأي الآخر"، ويتهم المعارضين بأنهم خارجون على الدين، فيتعسف في معاملتهم!

وإنه نظام لا يسمح بقيام الأحزاب ولا يسمح بتداول الحكم ..

وإنه نظام"شمولي"يمهد بطبيعته للاستبداد السياسي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت