الصفحة 40 من 59

المعيار الثاني في هذه القضية هو مدى تحقق إنسانية الإنسان.

والبحث في إنسانية الإنسان يستلزم تحديد غاية وجوده في هذا الكون، فمن الذي يحدد له غاية وجوده؟!

إنها في الحقيقة ذات القضية!

فإذا كان رد حق التشريع لله مبينا على كونه سبحانه هو الخالق، وهو اللطيف الخبير:

(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [1]

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [2]

فكذلك حق تحديد غاية الوجود .. هو للخالق الذي أوجد، وللطيف الخبير الذي يعلم.

وحين يستنكف الإنسان عن عبادة الله ويستكبر، ويزعم أنه أدرى بغاية وجوده من خالقه! وأدرى بالمنهج الذي يحقق غاية وجوده من اللطيف الخبير، العليم الحكيم، يحدث ما يحدث من الفساد في الأرض ..

فإذا عرضنا الديمقراطية على ميزان الإسلام في قضية تحقيق إنسانية الإنسان فماذا نرى؟

نرى صفحتين مختلفتين، إحداهما مشرقة شديدة الإشراق، تلك هي صفحة الحقوق والضمانات التي تعطيها الديمقراطية للفرد ضد طغيان الدولة، والأخرى سوداء حالكة السواد، هي إباحة الإلحاد بدعوى حرية العبادة، وإباحة الفوضى الجنسية والأخلاقية بدعوى الحرية الشخصية، وثمة صفحة ثالثة يختلط فيها السواد والبياض، ظاهرها حقوق التمثيل السياسي وتشكيل الأحزاب وحرية الاجتماع والتعبير .. إلخ، وباطنها سيطرة رأس المال، ومن وراء ذلك سيطرة اليهود ..

ونضرب صفحا الآن عن الصفحة الثالثة، وننظر إلى الصفحتين الأخريين، ونسأل: إذا أنت منحت إنسانًا ما ثوبًا جميلًا نظيفًا رائع الجمال، ثم دفعته إلى حفرة من الطين أو سمحت له بإلقاء نفسه في الحفرة، وحرّمت على الآخرين أن يمنعوه من ذلك بدعوى أن هذه حريته الشخصية (!) فماذا تجد في النهاية - وقد حُفت هذه الحفرة بالشهوات - إلا أن تجد الناس في النهاية غرقى في الطين؟!

هل يكون الإنسان يومئذ قد حقق غاية وجوده؟!

ولا يقولن أحد: نأخذ الصفحة المشرقة وحدها، ونترك الصفحة الحالكة، لأننا عندئذ لن نكون ديمقراطيين! لأنك إذا منعت الإلحاد بسلطة القانون، ومنعت قذارة الفوضى الجنسية بسلطة التشريع، فقد اعتديت على"الحرية الشخصية"وأصبحت .. يا للهول! .. أصبحت أصوليا! أصبحت إرهابيا! .. أصبحت عدوًا للديمقراطية!!

ونعود الآن إلى الحقوق والضمانات.

يشكك العلمانيون في وجود تلك الحقوق والضمانات في الإسلام، ويزعمون أن"الإسلاميين"إنما تعلموا الحديث عنها من ديمقراطية الغرب، ثم ألصقوها بالإسلام زورا وبهتانا، ليزعموا أن الإسلام يغنينا عن استيراد المبادئ والنظم من الغرب ..

وحين نقول لهم تعالوا إلى فترة الخلافة الراشدة ننظر في أحوالها، ونستنبط الفكر السياسي منها يقولون: كلا! لا تستشهدوا بفترة الخلافة الراشدة، لأن واقع المسلمين بعد ذلك قد امتلأ بالجور والاستبداد.

وقد رددنا على ذلك من قبل ..

ونؤكد هنا مرة أخرى أننا سنظل نستشهد بفترة الخلافة الراشدة من أجل الدلالة التي تحملها: دلالة أنها من صنع الإسلام لا من صنع أي عنصر آخر غير الإسلام ..

وإلا فمن أين جاءت؟!

ولنأخذ عمر رضي الله عنه على سبيل المثال .. كيف كان في الجاهلية؟ وكيف صار في الإسلام؟

كان في الجاهلية جبارا يفزع الناس بجبروته .. فصار ألين الناس في الإسلام مع شدته في الحق.

وخذ - فيما نحن بصدده - ذلك الحادث النموذج:

(1) سورة الأعراف [54] .

(2) سورة الملك [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت