الصفحة 23 من 59

حقيقة إن التاريخ السياسي للمسلمين ليس ظلامًا كله كما يدعي أعداء هذا الدين لينفّروا أهله منه، وليخذّلوا الصحوة الإسلامية عن محاولة العودة إليه .. وإن في هذا التاريخ - فيما بعد فترة الخلافة الراشدة المجمع على مثاليتها، وارتفاعها على كل ما عرفته البشرية من النماذج في القديم والحديث - نماذج كثيرة من العدل السياسي، وأخلاق الحكم الرفيعة، وشعور المحكومين بالرضى والطمأنينة، والتمتع بالأمن والاستقرار ..

ولكن وجود الاستبداد السياسي يبقى مع ذلك حقيقة واقعة، وحقيقة بارزة في التاريخ السياسي للمسلمين.

ولكن الضجة التي يثيرها العلمانيون حول هذه النقطة تحمل عدة مغالطات تحتاج إلى بيان، لتوضيح الحقيقة فيها، وإزالة الغبش الكثيف الذي يثار حولها ..

إنها - كما قال عليّ رضي الله عنه - كلمة حق أريد بها باطل!

وأول هذه المغالطات وأبرزها أن الاستبداد السياسي نتيجة حتمية للحكم"الديني"وأن ما حدث في تاريخ المسلمين هو نفسه ما حدث في تاريخ"الحكومة الثيوقراطية"في أوربا، ولذات السبب الذي أحدثه هناك، وهو استناد الحكام إلى قداسة الدين وممارسة الاستبداد باسم شيء مقدس له على نفوس الناس سلطان، واعتبار المعارضين لأولئك الحكام خارجين على الدين ذاته مما يسوغ اضطهادهم وقهرهم والفتك بهم دون أن يحميهم من الطغيان حامٍ!

وهذه المغالطة الكبرى تشتمل هي ذاتها على عدة مغالطات ..

فليس في الإسلام أصلا حكومة"ثيوقراطية"ولا يمكن أن يكون فيه، لأنه ليس في الإسلام ابتداء هيئة تسمى"رجال الدين"!

وقد مرّ بنا في الفصل الأول أن"الكنيسة"كانت بدعة مبتدعة لم يتنزل بها من عند الله سلطان، ولا سند لها إلا هذه القولة المنسوبة للمسيح عليه السلام، والتي لا يمكن أن تصدر عنه في الحقيقة، وهو رسول مرسل من عند الله! ومن ثم فدين الله الحق بريء من تلك البدعة التي أفسدت حياة أوربا وأذاقتها الويلات ..

و"الحكومة الثيوقراطية"كما عرفتها أوربا لم تكن حكومة تحكم بما أنزل الله - وليتها كانت! - إنما كانت - كما يعرف مؤرخو أوربا - حكومة"رجال الدين"، تحكم لا بالدين، ولكن باسم الدين! وتفرض سلطانها على الأباطرة والشعب باسم ذلك الدين! أما الشريعة التي كانت تحكم الناس في ظل الحكومة الثيوقراطية فقد كانت هي القانون الروماني، ولم يكن لها علاقة البتة بالشريعة المنزلة عليهم من عند الله والتي كان المفروض أن يلتزموا بها، وهي الواردة في التوراة مع التعديلات الواردة عليها في الإنجيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت