لقد أدرك المسلمون منذ اللحظة الأولى التي انقطع فيها الوحي بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه لا بد من الاجتهاد لمواجهة الظروف الجديدة التي لم يتنزل فيها بذاتها نص في الكتاب أو السنة. فلم يضيقوا بالجديد، ولم يقفوا أمامه حائرين، وفي الوقت ذاته لم يتبعوا أهواءهم بغير ضابط، بحثا عما يرون هم - بمجرد الهوى - أنه هو"المصلحة"التي يتحقق بها الخير. ذلك أنهم آمنوا ابتداء أن دين الله المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحق. وهو القسط. وهو"المصلحة"في الدنيا والآخرة وأن فيه وحده الهدى، إما بنص مباشر أو بقاعدة يستنبطون منها، وأن مخالفة نصوصه أو مخالفة قواعده لا تأتي بخير ولا تتحقق منها مصلحة، مهما بدا للإنسان بنظره - أي بمجرد هواه - أن الأمر غير ذلك .. وأنه لا يحدث في الأرض شيء لا يكون له حكم في كتاب الله .. [1] .
وآمنوا في الوقت ذاته أن الحياة لا يمكن أن تسير على وتيرة واحدة دون أن تجدّ فيها أحداث. وأنهم لا يستطيعون - ولا يستطيع بشر - أن يوقفوا الحياة عند نقطة معينة أو يضبطوها في قالب معين لا تخرج عنه .. ولكن لا ينبغي للتغير في الوقت ذاته أن يخرج الناس عن الصراط الذي رسمه الله لهم في وحيه المنزل .. إنما تتغير الحياة، وتظل في تغيرها محكومة بثوابت الوحي، لكي لا تأسن من ناحية، ولا تضل من ناحية أخرى وتنفلت بلا ضابط.
وهكذا كانت قضية الثابت والمتغير واضحة تماما في أذهانهم، وكانت هي الدافع الذي دفع الفقهاء إلى الاجتهاد، وإلى الإيمان بأن الاجتهاد لا يتوقف ما بقيت الحياة.
إذا كان هذا دين الله الحق، في أصوله المنزلة من عند الله، المحفوظة بحفظ الله لها، كما هو في التطبيق الواقعي الذي استمر عدة قرون، وأضاء للدنيا كلها مسالك الطريق، قبل أن يتقاعس المسلمون عنه في الفترة الأخيرة، فينحسروا ويتقهقروا ويتخلفوا ويضعفوا .. فأي شيء في هذا الدين يدعونا إلى نبذه وعزله عن الحياة، واستبدال غيره به ليخرجنا منه؟!
إنما يكون علاج ما نحن فيه من انحسار وتقهقر وتخلف وضعف، أن نعود إلى منبع القوة الذي تقاعسنا عنه، وإلى نقطة الانطلاق التي منحتنا من قبل الحياة والتقدم والازدهار .. وهو ما تحاوله الصحوة الإسلامية اليوم، ونرجو أن تنجح فيه ..
حقًا هناك نقطة واحدة هي التي يتمسك بها العلمانيون في جدالهم كله، ويركزون عليها ليدّعوا وجاهة دعواهم في فصل الدين عن الدولة، وهي وجود الاستبداد السياسي على فترات متطاولة من تاريخ المسلمين.
ووجود الاستبداد السياسي على فترات من تاريخ المسلمين حقيقة واقعة دون شك .. ويجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا، وتكون لدينا الشجاعة الكافية، والولاء الكافي للحق الرباني لنقرّ بوجود هذه السلبية في الواقع التاريخي للمسلمين. فهذه أمانة تؤدى لله عز وجل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ .. ) [2] .
(1) يقول الشافعي رحمه الله:"فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها"الرسالة للشافعي تحقيق الشيخ أحمد شاكر ص 20.
(2) سورة النساء [135] .