الصفحة 20 من 59

أما تحقير الجسد لتخليص الروح فقد أشرنا في الفصل السابق إشارة عابرة إلى الفارق في هذا الشأن بين الإسلام وبين رهبانية النصرانية .. ونضيف هنا إلى تلك الإشارة أن الإسلام ينظر إلى دوافع الجسد على أنها في ذاتها نظيفة، وأن الله خلقها لتعمل وتؤدي مهمتها التي خلقت من أجلها لا لتقتل ولا لتكبت. وإنما المستقذر هو الفاحشة .. أي تجاوز الحد الذي رسمه الله لكل دافع من تلك الدوافع. أما في داخل تلك الحدود فهي ليست مباحة فقط، بل مطلوبة ومرغوبة. والذي تقوم به التربية الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة ليس هو الكبت، إنما هو الضبط، وهو عملية صحية وإيجابية، تقوي الإرادة، وتحفظ الطاقة من التبدد، ثم تستخدم فائض الطاقة - الذي يتوفر بعد عملية الضبط - في عمل هو في ميزان الإسلام أسمى الأعمال وأعظمها، وهو الجهاد لإعلاء كلمة الله، ورد العدوان عن الإسلام والمسلمين.

وبذلك يأخذ الجسد مجاله الفطري الطبيعي، دون أن يهبط الإنسان إلى المستوى الحيواني في ممارسة المتاع الحسي، وفي الوقت ذاته يجند الإنسان نفسه للقيم العليا، التي تتوارى حتمًا حين يغرق الإنسان في المتاع الحسي، أو تُقْتَل حتما حينما يَقْتُلُ الإنسان دوافعه الفطرية بدعوى تخليص الروح من ربقة الجسد!

وأشرنا فيما سبق من هذا الفصل إشارة عابرة كذلك إلى موقف الإسلام من العلم .. ونضيف هنا أن الإسلام هو الذي دفع المسلمين إلى طلب العلم، والتعمق فيه، والبحث الجاد في مجالاته المختلفة .. وأن روح البحث العلمي سواء النظري أو التجريبي، لم تكن طبيعة في هذه الأمة قبل إسلامها. إنما اكتسبتها الأمة من الإسلام حينما آمنت به ومارسته في عالم الواقع. فقد بدأ الوحي - أول ما بدأ - بالتوجيه إلى القراءة:

(اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [1] .

وتوالت الآيات تطلب من المسلمين التفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض وتخبرهم أن الله سخر للإنسان ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، وأن عليه أن يبذل جهده في التعلم لتحقيق ذلك التسخير في عالم الواقع. وأن القوة مطلب من مطالب هذه الأمة من أجل المحافظة على عقيدتها وكيانها، ومن أجل منع الفتنة عن المسلمين، والقوة لا تتأتى بغير العلم .. وقد أثمرت هذه التوجيهات الربانية ظهور المنهج التجريبي في البحث العلمي على يد المسلمين حين كانوا مسلمين حقا، وبالمنهج التجريبي تقدمت العلوم تقدما هائلا، ووضعت اللبنات التي يقوم عليها صرح التقدم العلمي في الوقت الحاضر.

وأهم من ذلك كله أن التقدم العلمي عند المسلمين سار على وفاق كامل مع العقيدة، ولم يقع بينه وبينها ذلك الفصام النكد الذي وقع في أوربا مرتين، مرة في ظل الدين الكنسي المحرف، ومرة في ظل العلمانية المنحرفة، وفي المرتين شَقِيَ الإنسان بذلك الصراع المفتعل بين الدين والعلم؛ بين نزعتين فطريتين في داخل النفس، لا تصادم بينهما في أصل الفطرة ولا تضاد!

أما الحجر على العقل فلم يقع قط في ظل هذا الدين كما وقع في دين الكنيسة المحرف. بل كان الدين هو الذي دعا إلى إعمال الفكر من أول الأمر: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) [2] .

بل ندد بالذين لا يتفكرون، وامتدح الذين يقومون بالتفكر:

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [3] .

(1) سورة العلق [1 - 5] .

(2) سورة سبأ [46] .

(3) سورة محمد [24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت