بمسخ الدين على هذه الصورة المزرية - أصبحت العلمانية تتعايش - على مضض! - مع الدين! وقد كان هذا مسخا بالنسبة للدين الكنسى ذاته، الذى شوهته الكنيسة حتى قطعت صلته بالأصل السماوى .. فكيف يكون الأمر بالنسبة لدين الله الحق؟!
إن الدين احق لا يمكن ابتداء أن يكون عقيدة مفصولة عن الشريعة .. فالالتزام بالشريعة - في دين الله الحق - هو مقتضى العقيدة ذاتها. مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. بحيث لا تكون الشهادة صحيحة وقائمة إن لم تؤد عند صاحبها هذا المعنى، وهو الالتزام بما جاء من عند الله، والتحاكم إلى شريعة الله، ورفض التحاكم إلى أى شريعة سوى شريعة الله.
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [سورة النساء 4/ 65]
يقول ابن تيمية في كتاب الإيمان (ص 33 من طبعة دار الطباعة المحمدية بالقاهرة) :
"والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب في ذلك المسمى .. ومن هذا قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل ذلك على أن هذه الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من أهل الوعيد".
لقد نزل هذا الدين ليعطى التصور الصحيح لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وليقيم في عالم البشر واقعا محكوما بهذا التصور، منبثقا عنه، مرتبطا به، متناسقا معه في كلياته وجزئياته، ولا يتصادم معه ولا ينحرف عنه.
فالله الخالق البارئ المصور، الرازق المحيى المميت، المدبر اللطيف الخبير، عالم الغيب والشهادة .. بكل أسمائه وصفاته الواردة في كتابه المنزل، هو المتفرد بالألوهية والربوبية، وهو المستحق للعبادة وحده بغير شريك ..
وكل ما في الكون وكل من في الكون غيره سبحانه هم خلقه وعباده .. واجبهم عبادته وحده بغير شريك.