ثم إنى ألفت كتابا كاملا هو"منهج الفن الإسلامى"لأبين العلاقة بين الفن الصحيح والدين الصحيح، وكيف تكون مجالات الفن الملتزم بالدين، وكيف أن ارتباط الفن بالدين لا يضيق مجالاته كما يفهم البعض، ولا يحوله إلى مواعظ دينية كما يفهم البعض الآخر ن إنما يوسع مجالاته في الحقيقة ويعمقها، ولكنه ينظفها فقط ويطهرها من الأرجاس.
وليس هنا مجال إعادة الحديث في هذه الموضوعات ..
إنما نحن هنا نتحدث فقط عن آثار العلمانية في الفن الأوروبى ..
فأول آثارها - في التسلسل التاريخى - هو عبادة الطبيعة في الفترة الرومانسية.
وليس ثمة عيب - كما قلنا من قبل - في مناجاة الطبيعة والتفاعل معها والحفاوة بها، فذلك كله أمر طبيعى في النفس السوية. ذلك أن الله خلق الكون جميلا ثم جعل في النفس البشرية حاسة تلتقط الجمال وتنفعل به. والقرآن يوجه الحس توجيها صريحا لرؤية الجمال في الكون والإحساس به، لا في الورود والأزهار والجبال والوديان فحسب، بل في الأنعام كذلك، التى هى مظنة الفائدة وحدها.
{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) } [سورة النحل 16/ 5 - 6]
{وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) } [سورة الأنعام 6/ 99]
{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) } [سورة النمل 27/ 60]
ولكن رؤية هذا الجمال والتفاعل معه والانفعال به تحدث به في النفس السوية توجها إلى الله بالعبادة لأنه هو خالق هذا الكون الجميل ومسخره للإنسان، وخالق هذه الحاسة الجمالية في تركيب الإنسان ليستمتع بهذا الجمال.