ثم أزيحت من مجال العلاقات الجنسية بصفة خاصة - وهى أدق مجالات الأخلاق - فقيل إن الجنس مسألة"بيولوجية"لا علاقة لها بالأخلاق! أى مسألة ذكر وأنثى يجرى بينهما ما يجرى بين الذكر والأنثى .. بلا قيود ولا أخلاق ولا ضبط ولا تصعيد .. وكانت الحمأة الدنسة التى تردت فيها البشرية، وكان السعار الجنسى المجنون الذى لا يشبع ولا يرتوى ولا يفيق ..
وأخيرا أفرغت الأخلاق ذاتها من مضمونها حين قبل إنه ليس لها وجود ذاتى، إنما هى انعكاس للأوضاع المادية والاقتصادية، أو إنها من مصنع العقل الجمعى وإنها تتغير على الدوام ولا تثبت على حال!
وسقط"الإنسان"بسقوط الأخلاق!
(6) فى الفن:
كان الفن في أوروبا في فترة الجاهلية الكنسية فنا دينيا بمعنى أنه موجه لخدمة الدين، وكان يحمل كل ما في العقيدة الكنسية من انحراف، إذ كان كله موجها لتمجيد"الرب"الذى ألهته الكنسية وهو المسيح عيسى بن مريم، أو تمجدي الأقانيم الثلاثة عامة: الأب والابن وروح القديس، مع مريم البتول ومجموعة من القديسين .. سواء بالشعر أو النثر أو الرسم أو التصوير (بمعنى إقامة التماثيل) .
وقد لاحظت في كتاب"جاهلية القرن العشرين"ملاحظة خاصة بالفن الأوروبى، وقلت إنها معروضة للدراسة لمن أراد أن يدرس، تلك هى أن الفن الأوروبى في جميع أدواره التاريخية كان مشغولا بالمعبود .. فحين كان المعبود في الجاهلية الإغريقية مجموعة من الآلهة المختلفة توجه الفن الإغريقى إلى تلك الآلهة سواء في الأساطير أو المسرحيات أو التماثيل. وحين انتقلت أوروبا إلى المسيحية عنى الفن بالإله كما صورته الكنيسة، وحين كفرت أوروبا بإله الكنيسة وألهت الطبيعة اتجه الفن إلى المعبود الجديد وخاصة في الفترة الرومانسية، وحين صار المعبود هو"الإنسان"اتجه الفن كله إلى دراسة الإنسان في جميع أوضاعه.
واليوم صارت المعبودات فوضى، وتمثلت الفوضى كذلك في الفن الأوروبى الحديث!
وهذه نقطة فنية على أى حال ليس مجالها التفصيلى في هذا الكتاب إنما ينبغى أن تدرس دراسة نقدية متخصصة.