فنسوا حظا مما ذكروا به"وبقى مما ذكروا به بعض أشياء .. وكانت القيم الخلقية من بعض هذه الأشياء."
ثم زحفت العلمانية شيئا فشيئا على الحياة الأوروبية فأقصت الدين عن الحياة بقدر ما تمكنت هى من الحياة .. ومع إقصاء الدين أقصيت الأخلاق، لأنها أصلا مستمدة من الدين.
وأول مجال أزيحت الأخلاق عنه هو مجال السياسة منذ قال مكيافيللى: إن الغاية تبرر الوسيلة .. ومعناها بصريح العبارة إسقاط الأخلاق من مجال السياسة، وممارسة السياسة بلا أخلاق!
ثم أزيحت الأخلاق من المجال الاقتصادى منذ الثورة الصناعية بتحليل الربا، وتحليل الغش والخداع والكذب وسرقة أجر الأجير وشغل الناس بتوافه الأشياء من أجل الربح، وتحليل شن الحروب والاستعمار من أجل إيجاد أسواق لتصريف البضائع .. إلى آخر ما قامت به الرأسمالية من حيل غير شريفة للاستزادة من المال على حساب البشرية.
ثم أزيحت الأخلاق من مجال العلم، فلم يعد هدف العلم البحث عن الحقيقة المجردة - له - إنما صارت تصاحبه المصالح والأهواء والشهوات التى أسلفنا نماذج منها في إبعاد اسم الله عمدا من البحث العمى مع وضع بديل مزيف هو الطبيعة، لا لأن هذه حقيقة ولكن لأنها تخدم هدفا معينا في معركة معينة بين العلماء وبين الكنيسة! ومن نشر أبحاث كاذبة بقصد نشر الإلحاد. ومن استخدام ثمار العلم لإفساد الأخلاق .. وغير ذلك مما كان مستحيلا أن يحدث في ظل سيطرة الدين على مشاعر الناس، ومن ثم التزامهم بأخلاقيات الدين .. ولكنه يحدث بسهولة في ظل العلمانية التى تفاخر بإقصاء الدين عن كل مجالات الحياة!
ثم أزيحت الأخلاق من مجال الفكر. فلم يعد يحس المفكر أنه ملتزم بأمانة معينة هى في أصلها الأمانة المؤداة إلى الله .. فحفلت وسائل الإعلام جميعا من أول لكتاب إلى التليفزيون، مرورا بالصحيفة والمسرح والسينما والإذاعة، بكل صنوف التضليل والكذب والخداع والغش وإفساد العقيدة وإفساد الأخلاق.