أما النكسة العلمانية في الحس الأوروبى المنسلخ من الدين فقد ذهبت في طريق آخر مخالف، فجعلت من هذا الحس الجمالى وثنية كاملة تعبد الطبيعة بدلا من عبادة الله. وقد وردت كلمة الوثنية بالذات ورودا مكررا في شعر الرومانسيين كأنما هو أمر مقصود!
بل إن الرومانسية في الحقيقة هى التى يسرت للحس الأوروبى الانزلاق إلى تلك المغالطة المكشوفة التى جعلت الطبيعة إلها بدلا من الله، حتى سرت هذه المغالطة إلى"العلماء"أنفسهم فتعاملوا معها كأنها حقيقة واقعة .. بل صاروا في النهاية يقبلونها - وحدها - على أنها هى العلم، ويرفضون الحقيقة الأصلية وهى كون الله هو الخالق، ويعتبرونها إفسادا لروح البحث العلمى!
ثم ذوت الرومانسية بعد فترة من الوقت وحلت محلها الواقعية رد فعل لها، إذ كانت الرومانسية مغرقة في الخيال المغرب فجاءت الواقعية لترد الناس وترد الفن إلى الواقع ..
ولكن أى واقع هو الذى ارتد إليه الفن وارتد إليه الناس؟!
إنه الواقع الصغير .. الهابط .. المنسلخ من الدين .. من القيم .. من الأخلاق!
ففى الفترة التى استغرقتها الرومانسية وارتدت بعدها إلى الواقع كان الناس قد ساروا خطوات على خط العلمانية المنسلخة من الدين فهبطوا، فجاءت الواقعية لترصد واقعهم حيث هم .. ثم تقول هذا هو الواقع البشرى!
فأما كون هذا هو الواقع الذى كان عليه الناس وقتئذ فهذا حق لا شك فيه، وأما أن هذا الواقع البشرى على إطلاقه فأمر يكذبه التاريخ. تكذبه فترات الهدى في حياة البشرية، التى ارتفع الناس فيها إلى قمم تبدو - في هذا الواقع المنحرف - كأنها خيالات، ولكنها كانت واقعا عاشه الناس بالفعل، وينبغى أن يحاولوا على الدوام أن يعودوا إلى ذلك المستوى السامق أو يعودوا إلى قريب منه. وليس المطلوب من الفن الواقعى أن يدارى على هبوط الناس ولا أن يصورهم في صورة غير واقعية من أجل إرضاء المثل العليا! كلا فالفن المزور لا يستطيع أن يعيش. ولكن هناك فرقا بين تصوير الواقع على أنه واقع نعم، ولكنه منحرف عن الأصل الذى كان ينبغى أن يكون عليه، وبين تصويره على أنه هو الواقع الإنسانى الذى لا يمكن تعديله أو لا ينبغى تعديله أو لا يعنينا تعديله! كلاهما تصوير للواقع. وكلن أحدهما