فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 56

وهذا الشر العميق كله قد نشأ من"علمانية"العلم .. أى من ذلك المبدأ الملوث الشرير: مبدأ فصل الدين عن الحياة ..

(5) الأخلاق:

ربما لم يكن هناك مجال تأثر بالعلمانية بقدر ما تأثرت الأخلاق ..

ذلك أن الدين هو المنبع الطبيعى للأخلاق، فإذا جفف هذا المنبع أو جف بسبب من الأسباب فلابد أن يتبعه حتما انهيار تدريجى في الأخلاق ينتهى إلى"اللاأخلاق".

ولقد كانت"النهضة"فى أول عهدها تعتقد - ربما بإخلاص وحسن نية - أن في إمكانها أن تجد للأخلاق منبعا آخر غير الدين .. من الطبيعة أو من النفس البشرية أو من أى مكان آخر .. والواقع أنهم كانوا في أول مرحلة الفساد، فكانوا هم أنفسهم لا يتصورون أن البشرية يمكن أن تعيش بلا أخلاق، أو أنه سيأتى وقت عليها تكون عارية من الأخلاق. فكان المشكل بالنسبة لهم هو محاولة البحث عن منبع للأخلاق غير الدين، حتى لا تتخذ تلك ثغرة يهاجمون منها من قبل ذوى الغيرة على الأخلاق وهم يومئذ غير قليل .. ولكن المنبع البديل - أيا كان هو - قد أثبت عجزه عن إنبات القيم التى يحتاج إليها الإنسان في حياته، ككل التصورات التى تخطر في بال الفلاسفة ولا تتعدى أذهانهم إلى واقع الحياة!

ثم جاءت أجيال أكثر علمانية من السابقة، لأنها كانت قد بعدت أكثر عن المنبع الحقيقى للقيم، فبدأت تناقش مبدأ القيم ذاته: هل هى ضرورية حقا للحياة البشرية؟ وهل هى حقائق واقعية أم مجرد مثل خيالية معلقة في الفضاء غير قابلة للتطبيق؟ وإذن فلماذا لا نكون"واقعيين"ونتعامل مع الواقع البشرى كما هو؟ أى بغير مثل وبغير قيم؟!

وكانت هذه بداية موجة جديدة من الانحدار على المنزلق .. فإننا إذا سلمنا بالواقع الموجود اليوم على أنه هو الواقع الذى لا يمكن أن يوجد أفضل منه، فما الذى يمنع هذا الواقع أن ينحدر غدا إلى هوة جديدة، ثم ما الذى يمنعنا من مجاراته في الهبوط بحجة الواقعية؟!

إن الذى يمنع من هذا شئ واحد، هو وجود القيم الأصيلة التى نقيس إليها أفعالنا ومستوانا، لنعرف على ضوئها أهابطون نحن أم مرتفعون .. فإذا وجدنا أننا هبطنا حاولنا أن نوقف هبوطنا ونصعد من جديد .. أما في غياب الميزان فما المعيار؟ إن الواقعية ليست

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت