حين يشرعون لأنفسهم ويرفضون الهدى الربانى، ينقسمون أولا إلى سادة وعبيد، سادة في أيديهم المال والسلطان، يشرعون، وحين يشرعون فإنهم يضعون القوانين التى تضمن مصلحتهم وتسخر الآخرين لهم، وعبيد ليس في أيديهم مال ولا سلطان، فلا يشرعون، إنما يقع عليهم ما يضعه السادة من تشريعات، ويسخرون - رضوا أم أبوا - لمصلحة أصحاب السلطان .. ومن جهة أخرى يصيبهم الخبل والاضطراب والتخبط نتيجة القصور البشرى والجهل البشرى والعجز عن الإحاطة والعجز عن رؤية المستقبل الذى ينبنى على الحاضر، نعم، ولكنه مع ذلك غيب لا يمكن التنبؤ به عن يقين.
ولم يكن الإقطاع - كما أسلفنا - نظاما ربانيا، ولا كانت فيه ذرة من عدل .. ولكن النفوذ الذى كان للدين على القلوب - مع كل ما كان في ذلك الدين من تحريفات، وفى أهله من فساد - كانت له جملة من الآثار في أهل الريف الأووربى الذى يعيش في ظل الإقطاع. فمن جهة كان عند الناس"أخلاق"يتعاملون بها، مستمدة من تعاليم ذلك الدين، وكانت هذه الأخلاق أبرز ما تكون في قضية العفة الجنسية وقدسية الرباط المقدس بين الزوجين، وكانت كذلك تشمل حسن الجوار وترابط أفراد المجتمع عن طريق التزاور والمجاملات الاجتماعية، ومن جهة أخرى كان في نفوس الناس رضى وقناعة تجعل الحمل العصبى الذى يعانونه محتملا في النهاية رغم سوء الأحوال الاقتصادية إلى أقصى حد .. وما بنا أن ندافع عن الظلم المتمثل في الإقطاع، ولا حتى عن الرضى الذليل الذى كانت الكنيسة تطلبه من الفلاحين مقابل الوعد بنعيم الآخرة، فإن الدين الصحيح يطلب من الناس أن يثوروا على مثل ذلك الظلم ويصححوه بتحكيم شريعة الله. ولكنا نقرر واقعا تاريخيا كان قائما بالفعل بخطئه وصوابه، لنقيس به الواقع التاريخى الذى تلاه على خط العلمانية حين خرج الناس من نفوذ ذلك الدين .. فقد بقى الظلم - من يحث المبدأ - كما هو، ولكن ذهبت الأخلاق، وذهب الرضى من نفوس الناس! واصبح الحمل العصبى الذى يعانونه أبشع من أن يطاق! فانتشر الجنون والقلق والانتحار والحالات العصبية والنفسية وإدمان الخمر والمخدرات والجريمة ..