فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 56

لم تكن"المكيافيللية"فى الحقيقة مقصورة على عالم السياسة. إنما كانت دينا جديدا حل محل الدين المخلوع! الغاية تبرر الوسيلة. لا في السياسة فقط، ولكن في الاقتصاد والاجتماع كذلك .. بل في كل شئ تدخل فيه الوسائل والغايات ..

يقول"سول"فى كتاب"المذاهب الاقتصادية الكبرى" (ترجمة الدكتور راشد البراوى، ص 50 - 51 من الترجمة العربية) عن الفترة التى نبذ فيها الدين ولكن ظلت بقايا القيم - قبل اندثارها - يبحث الناس لها عند سند غير الدين:

"سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد، والمجال الدنيوى بما فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما يشتمل عليه من ثواب وعقاب، فكان على المرء أن يتحمل الألم وهو عالم أنه ليس إا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبلية .. أما الدافع الفكرى على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرفاهية الدنيوية فكان ضئيلا، اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التى يمكن اجتناؤها."

"والآن تحول الاهتمام فأصبح محصورا في تحسين الحياة على الأرض، وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانيات الأرض لذاتها، لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كل شئ، وكان لا حد لها من يحث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء، وسرت روح المغامرة."

"وهنا برز السؤال التالى: أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التى تدرس بها الأشياء المادية؟"

"وكان الجواب بالإمكان. ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التى يستخدمها الناس كيما يعيشوا (فى الأصل: كيما يعيشون) معا، وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التى تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا."

"وصار لزاما على الذين نبذوا الإيمان باله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك، ووجدوه في الطبيعة .. أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان - وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم - فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها وليس بوسيلة مباشرة. وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شئ له وجود فحسب، وإنما هو شئ ينبغى أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلا على نقص في التقوى والأخلاق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت