فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 56

فقد بينا من قبل أن الفصل بين الدين والسياسة كان قائما من أول اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية، إذ اعتنقتها عقيدة فقط، ولم تأخذ من الشريعة إلا ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وبقيت الأمور الجنائية والأمور المدنية وعلاقة الحاكم بالمحكوم وغيرها من شؤون الحياة الواقعة يحكمها القانون الرومانى ولا تحكمها الشريعة المنزلة في التوراة والمعدلة تعديلا جزئيا بالإنجيل:

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [سورة آل 3/ 50]

{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) } [سورة المائدة 5/ 47]

ولكن الكنيسة مع رضاها بهذا الأمر - المخالف لأمر الله - في أيام ضعفها، لم تحاول في أيام سلطانها وسطوتها أن تعود إلى الوضع الدينى الصحيح، فتلزم الملوك والأباطرة أن يحكموا بما أنزل الله، وهى تمارس عليهم من السلطان ملا يستطيعون معه مخالفتها أو الخروج على أمرها، بل استغلت سلطانها في إخضاعهم لأهوائها الخاصة، بينما تركتهم يحكمون بغير ما أنزل الله وهى راضية عنهم كل الرضا ماداموا يخضعون لأوامرها، وهذا هو الذى تسميه أوروبا الحكم الدينى أو الثيوقراطى وما أبعده عن الدين!

صحيح أن إخضاع الكنيسة الملوك والأباطرة لأهوائها الذاتية كان يتم باسم الدين وتحت شعاراته، ولكن هذا لا يكفى لاعتباره حكما دينيا ما دام لا يحكم بما أنزل الله. ولكن الحس الأوروبى المضطرب يخلط بين الدين ورجال الدين نتيجة اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، واعتبار أعمالهم وأقوالهم أعمالا دينية وأقوالا دينية ولو كانت بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين!

مهما يكن من امر فقد استطاعت الكنيسة بنفوذها أن تجعل الملوك والأباطرة طوع إرادتها. وأعلن البابا"نقولا الأول" (858 - 867م) بيانا قال فيه:

"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل .. (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت