يتنبهون إليها وينذرون نتائجها، ولكن دون أن يعرجوا على السبب الحقيقى ولا العلاج الحقيقى!
ولئن كانت الكنيسة هى المعتدية على الملوك والعلماء في بادئ الأمر، مما أسفر عن العداء بين الدين والسياسة وبين الدين والعلم، فلم تكن هى المعتدية ولا المتسببة حين أقامت الثورة الصناعية اقتصادياتها على الربا ولجت فيه، وحين سقطت"الأخلاق"واحدا إثر الآخر ن حتى الأخلاق التى أقرها"المفكرون الأحرار"فى مبدأ عهدهم يناصبون الكنيسة العداء، ويبحثون عن مصدر آخر للقيم غير الدين!
إنما استمرأ القوم الفوضى الخلقية وأمعنوا فيها لا للدوافع القديمة التى دفعتهم للخروج على الدين أول مرة، وكلن لأن هذه هى طبيعة السير على المنزلق .. كل خطوة تصبح أشد هبوطا من السابقة .. وهذه طبيعة الحياة حين يكف الناس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. يزداد المنكر وينتفش ويستفحل حتى يصبح هو الأصل، أو حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ومن أجل ذلك لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [سورة المائدة 5/ 78 - 79]
ويجدر بنا الآن على أى حال أن نستعرض الصورة الراهنة للعلمانية في أوروبا في مجالات الحياة المختلفة، لا على أنها الصورة الأخيرة التى ستقف عندها! فهى لا تقف عند هذا الحد من السوء، وإن لم يكن في وسع الخيال أن يتصور ما هو أسوأ، ولكن لنقيس المسافة بين الأصل الذى كان ينبغى وبين ما وصلت إليه الأمور حين قال الإنسان لنفسه: لقد شب الإنسان عن الطوق ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله!
(1) فى السياسة:
لم تكن السياسة من أول عهدها في الإمبراطورية الرومانية محكومة بالشريعة المنزلة من عند الله، وإن وقعت لفترة من الوقت تحت سلطان البابوات ورجال الدين، يفرضون على الملوك أن ينزلوا على إرادتهم على اعتبار أن إرادتهم من إرادة الله.