فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 56

كان الملوك قد استقلوا عن سلطان البابا، وقامت"علمانية الحكم"بفصل الدين عن السياسة (أى إقصاء رجال الدين عن التدخل في شؤون السياسة) ولكن الكنيسة كان ما يزال لها سلطان ضخم على أخلاق الماس وعاداتهم وأفكارهم رغم كل الصراعات وكل الاعتبارات.

ولكن الثورة الصناعية أحدثت - أو أريد لها أن تحدث - هزات عنيفة في حياة الناس.

ولقد مر بنا في الفصول السابقة تفصيل ما صنعت الثورة الصناعية في حياة أوروبا، وما بنا من حاجة إلى إعادته. ولكنا نذكر مجرد تذكير بإخراج المرأة إلى العمل وإفساد أخلاقها وإفساد أخلاق الرجل معها، واستغلال قضية المساواة مع الرجل في الأجر لبث روح الصراع في نفس المرأة وإحراج صدرها من قوامة الرجل والعمل في البيت والتفرغ للأمومة، وما نتج عن ذلك كله من تحطيم الأسرة وتشريد الأطفال والفوضى الجنسية .. الخ ونسبة ذلك إلى التطور الذى يهدم ما يشاء من القيم ويلغى ما يشاء!

وكانت الطامة العظمى هى الداروينية وإبعاد الإنسان ذاته من عالم الإنسان وإلحاقه بعالم الحيوان! فعندئذ لم تعد هناك حاجة إلى القيم أصلا .. لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد المستمدة من الدين .. فما حاجة الإنسان إلى شئ من ذلك وهو عريق في الحيوانية مستقر في عالم الحيوان؟!

ثم أتى على الإنسان حين من الدهر لم يعد حتى حيوانا! بل هبط عن ذلك دركات فأصبح جزءا من عالم المادة الصماء!

لم نكن هنا نستعرض خطوات العلمانية بالتفصيل، فسيأتى شئ من ذلك فيما بعد حين نتحدث عن علمانية السياسة وعلمانية الاقتصاد والاجتماع والعلم والأخلاق والفن .. ولكنا أردنا فقط أن نلفت النظر إلى حقيقة واقعة هى استمرار"الإنسان"فى الهبوط كلما أمعن في السير على الخط العلمانى.

وأيا تكن السباب التى أدت بأوروبا إلى العلمانية فهى كما قلنا من قبل تفسر العلمانية ولا تبررها، ولا تبرر بالطبع نتائجها التى أدت إليها، والتى بدأ المفكرون الغربيون أنفسهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت