فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 56

للشريرين أن يعلنوا الحرب المنظمة على كل مقومات"الإنسان"كما سنحت لهم بعد ظهور الداروينية وإعلان حيوانية الإنسان!

ففى تلك الفترة وجد"الفكر الحر!"أنه إن أقر بأن الدين هو مصدر القيم الإنسانية فقد وجب عليه أن يحافظ عليه ولا يهاجمه ولا يسعى إلى تحطيمه! فينبغى إذن أن يبحث ذلك الفكر عن مصدر آخر يستمد منه القيم ويسندها إليه، لكى لا يقول أحد إنه لا يمكن الاستغناء عن الدين! وعلى هذا الضوء يمكننا فهم فلسفة"أوجست كومت"من ناحية، وأفكار جان جاك روسو من ناحية أخرى. فكلاهما يجهد نفسه ليقول للذين يقفون مدافعين عن الدين: ها قد وجدنا مصدرا آخر تنبع منه القيم الضرورية لحياة الإنسان غير الدين، وجدناه فى"الطبيعة"وفى"النفس البشرية"وهو مصدر أفضل - في إنبات القيم وترسيخها - من الدين .. فدعونا إذن من الدين، وتعالوا معنا إلى تلك المصادر"الحرة"التى يقبل عليها الإنسان إقبالا"طبيعيا"و"ذاتيا"دون أن يحس بالقهر المفروض عليه من قوة أعلى منه!

وفى الوقت ذاته اتجه هذا"الفكر المتحرر"إلى عبادة الطبيعة بدلا من عبادة الله، ونسبة الخلق إليها بدلا من الله. وقد تحدثنا منق بل عن هذا الأمر بما فيه الكفاية فلا نعود إلى الحديث فيه، ولكن نضعه فقط في مكانه من التسلسل التاريخى.

وفى ذات الوقت كله اتجه الفن إلى مناجاة الطبيعة بدلا من مناجاة الله، وتأليهها بدلا من تأليه الله" [1] ".

ومضى الزمن في خطواته، وجاءت الثورة الصناعية .. وجاء مزيد من إبعاد الدين عن الحياة.

ففى العهد الزراعى - أو الإقطاعى كما يسمونه - كان ما يزال للدين نفوذ كبير في حياة الناس.

(1) ""ليست مناجاة الطبيعة في ذاتها انحرافا عن السلوك القويم في عالم الفن، بل العكس هو الصحيح. فالفن السليم لابد أن يلتفت إلى الطبيعة ويتفاعل معها. ولقد لفت القرآن الكريم حس المسلمين لفتا شديدا إلى الطبيعة في شتى مظاهرها من الجبال والأنهار والوديان والزروع والرعد والبرق والسحاب والمطر والريح والسماء والأرض .. ولكن المناجاة شئ والتأليه الذى مارسته الفنون الأوروبية العلمانية شئ آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت