فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 56

يطمح في أن يكون مقتدرا مثلها، فلا تفتأ كلما حقق نجاحا أن تصب الكوارث فوق رأسه لكى لا يستمتع بثمرات نجاحه، وهو من جانبه دائم التحدى للآلهة، كلما وقع في حفرة من حفائرها عاد يستجمع قواه ليصارعها من جديد. وتكفى أسطورة بروميثيوس الشهيرة لبيان هذا المعنى بصورة مباشرة، إذ تزعم تلك الأسطورة أن"زيزس"إله الآلهة خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض ثم سواه على النار المقدسة (التى ترمز إلى المعرفة) ثم وضعه في الأرض محاطا بالظلام (الذى يرمز إلى الجهل) فأشفق عليه كائن أسطورى يسمى بروميثيوس، فسرق له النار المقدسة لكى ينير له ما حوله، فغضب زيوس على الإنسان وعلى بروميثيوس كليهما. فأما بروميثيوس فقد وكل به نسرا يأكل كبده بالنهار ثم تنبت له كبد جديدة بالليل يأكلها النسر بالنهار في عذاب أبدى!

وأما الإنسان فقد أرسل له زيزس"باندورا" (التى ترمز إلى حواء) لكى تؤنس وحشته (فى ظاهر الأمر!) وأرسل معها هدية عبارة عن علبة مقفلة، فلما فتحها إذا هة مملوءة بالشرور التى قفزت من العلبة وتناثرت على سطح الأرض لتكون عدوا دائما وحزنا للإنسان!

ويشير جوليان هكسلى إشارة صريحة إلى هذه الأسطورة في كتابه"الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World"فيقول إن موقف الإنسان الحديث هو ذات الموقف الذى تمثله هذه الأسطورة، فقد كان الإنسان يخضع لله بسب الجهل والعجز، والآن بعد أن تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز على عاتق الله، ويصبح هوة الله!!

من هذين التأثيرين معا انطلق الفكر"المتحرر"يهاجم الدين، ويصفه بأنه الأغلال التى تغل الفكر عن الانطلاق، والتى ينبغى أن تحطم لكى يثبت الإنسان وجوده، ويقوم بدوره الذى يجب أن يقوم به في الأرض!

وفى نفس الوقت اتجه الفكر المنسلخ من الدين إلى البحث عن مصدر آخر للقيم الإنسانية غير الدين! ذلك أن أوروبا لم تكن قد انسلخت بعد من القيم ذاتها كما حدث فيما بعد، حين امتد الخط المنحرف فازداد بعدا وانحرافا، أو لم تكن قد سنحت الفرصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت