فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 56

كان السائد هو ألا يفكر الإنسان لنفسه في شئ من الأشياء إنما يأخذ الأفكار جاهزة من الكتب المقدسة وشروحها عن طريق رجال الدين، سواء كانت الأفكار متصلة بالعقيدة أو بأمر من أمور الدنيا، أو حتى أمور العلم كقضية شكل الأرض.

وغنى عن البيان أن هذا ليس الموقف الصحيح للإنسان في ظل الدين الصحيح" [1] "ولكن هكذا كانت الممارسة الدينية في ظل الجاهلية الكنسية المنحرفة، والتى من جرائها كان لرجال الدين كل ذلك النفوذ على عقول الناس وأرواحهم، فهم الوسطاء بين الناس وبين الدين ومفاهيمه، بل هم الوسطاء بين الناس وبين الله، والناس - علماء أو غير علماء - لا يبحثون في أى شأن من الشؤون ليكونوا فيه رأيا أو موقفا. إنما يسألون رجال الدين ليدلوهم على الرأى أو الموقف الذى ينبغى عليهم اتخاذه. هذا بالإضافة إلى أن الأمور التى يسألون عنها هى أولا وقبل كل شئ أمور"الخلاص". الخلاص من أدران الحياة الدنيا للحصول على رضوان الله في الآخرة.

وكان رد الفعل إن الإنسان هو الذى ينبغى أن يستشار في الأمور كلها وليس الدين، وأن العقل البشرى هو الذى ينبغى أن يكون صاحب القرار وليس الله .. ولو كان الأمر متعلقا بالعقيدة أو الأمور الأخروية. وبمقدار ما كان العقل مكبوتا ومحجورا عليه، انطلق هذا العقل يريد أن يقتحم كل ميدان ولو كان خارجا عن اختصاصه! يقتحمه بروح أنه هو صاحب الحق الذى كان ممنوعا من حقه فهو يريد أن يؤكد هذا الحق. ويقتحمه بروح الشك، أو روح المحو لكل ما كان موجودا من قبل ولم يشترك فيه، فهو يريد أن ينشئه من جديد سواء وافق ما كان موجودا من قبل أو خالفه، والأجدر به أن يخالفه لكى يثبت وجوده.

بهذه الروح بدأ الكتاب و"المفكرون الأحرار"يهاجمون فكرة الألوهية وينفون الرسالات والوحى، وينفون الحياة الآخرة والجنة والنار .. ويقولون إن هذه كلها أوهام تبنتها البشرية في غيبة من العقل، والآن وقد صحا العقل فقد آن الأوان لنبذها وتركها للهمج المتأخرين .. وربما كان خير ممثل لهذا الاتجاه هو"فولتير"الكاتب الفرنسى الملحد المشهور.

أما التأثير الثانى الذى أشرنا إليه فهو تأثير الجاهلية الإغريقية التى تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة صراع وخصام لا يفتر: الآلهة تريد أن تقهر الإنسان وتكبته وتحطمه لكى لا

(1) ""سنعاود الحديث في هذه النقطة في هذا الفصل وفى فصل"العقلانية"كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت