سبيل إلى تحقيقه في الحياة الدنيا. ومن ثم فإن"حركة التاريخ"ومحاولة تصحيحها بتصحيح حركة المجتمع كما يقول ولفرد كانتول سميث Wilfred Cantwell Simth في كتاب"الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Modern History"لم تكن في حساب الكنيسة المسيحية لا أيام ضعفها في القرون الأولى ولا حين أصبح لها السلطان" [1] "إنما يسعى كل إنسان إلى خلاصه الشخصى، كالذى يسير على معبر دقيق كل عمه ألا يفقد توازنه فيقع في الهاوية، أو كالذى يسير في الوحل كل همه أن يشمر ثيابه ويلتفت إلاى مواقع قدميه حتى لا ينزلق أو يتلطخ بالوحل، لا يهمه أن يصحح مواضع أقدم الآخرين أو يقيهم من الانزلاق.
ومن هنا فإن هذا الدين في صورته الكنسية تلك لم يكن يسعى إلى تحسين أحوال البشر على الأرض، أو إزالة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تقع عليهم، وإنما يدعو إلى الزهد في الحياة الدنيا برمتها، وترك كل شئ على ما هو عليه، لأن فترة الحياة الدنيا أقصر وأضأل وزنا من أن يحاول الإنسان تعديل أوضاعه فيها. إنما يسعى جاهدا إلى الخلاص منها دون أن يعلق بروحه شئ من الآثام. والمتاع ذاته هو من الآثام التى يحاول المتطهرون النجاة منها بالرهبنة واعتزال الحياة.
بل أكثر من ذلك: إن احتمال المشقة في الحياة الدنيا، واحتمال ما يقع فيها من المظالم هو لون من التقرب إلى الله يساعد على الخلاص. ومن ثم دعت الكنيسة الفلاحين للرضا بالمظالم التى كانت تقع في ظل الإقطاع وعدم الثورة عليها لينالوا رضوان الله في الآخرة، وقالت لهم:"من خدم سيدين في الحياة الدنيا خير ممن خدم سيدا واحدا"!
ومن جهة أخرى كان هذا الدين يحصر كيان الإنسان في نطاق محدود محصور أشد الحصر، ليبرز جانب الألوهية في أكمل صورة.
ألوهية الله في ذلك الدين معناها السلبية الكاملة للإنسان، وحصر دوره - لا في العبادة بمعناها الواسع، أى على النحو الذى قرره الإسلام، والذى يشمل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى - إنما في الخضوع لقدر الله القائم، وعدم العمل على تغيير شئ من الواقع
(1) ""ص 30 - الطبعة الأولى، سنة 1957.