فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 56

المحيط بالإنسان، لأن محاولة التغيير - ولو إلى الأحسن - تحمل في طياتها"عدم الرضا"بالأمر الواقع، وهو لون من التمرد على إرادة الله لا يقره ذلك الدين.

ومن ثم فإن فاعلية الإنسان محصورة في الطاعة للأوامر الإلهية - كما تعرضها الكنيسة بالحق أو الباطل - لا تتعداها إلى الإنشاء لأنه، ليس للإنسان أن ينشئ شيئا من عند نفسه، ولو كان يلتزم في هذا الإنشاء بالهدى الربانى. ومن ثم كذلك كان ثبات الأوضاع في أوروبا في العصور الوسطى لفترة طويلة من الزمان بكل ما تحمل من ألوان الفساد السياسى والاقتصادى والاجتماعى والفكرى والروحى .. على أساس أنها قدر الله الذى لا يجوز للناس تغييره، إنما ينبغى الخضوع له والمحافظة عليه تقربا إلى الله!

هذا الدين بصورته تلك لم يكن هو الدين المنزل من عند الله، ولم يكن - كما أسلفنا - صالحا للحياة. كان لابد من نبذه والانسلاخ منه لكى تسير دفعة الحياة في خطها الصحيح.

ولقد كان عرى مقربة من أوروبا - بل في جزء من أرضها - دين آخر يقدم المنهج الصحيح للحياة، فلا هو دين أخروى بحت بمعنى إهمال الحياة الدنيا، ولا هو الدين الذى يفرض السلبية الكاملة على الإنسان، ويفرض عليه الخضوع"للأمر الواقع"وعدم التفكير في تغييره.

إنه دين يعمل للآخرة من خلال العمل في الدنيا"الدنيا مزرعة الآخرة".

ويبين أن العمل للآخرة لا يعنى إهمال الحياة الدنيا {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [سورة القصص 28/ 77] {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة الأعراف 7/ 32]

وهو دين يعمل لإصلاح الحياة الدنيا بإقامة المنهج الربانى الذى يأمر بالعدل والقسط، كما يدعو إلى الجهاد لإقامة هذا المنهج ومنع الانحراف عنه، ذلك الانحراف الذى يؤدى إلى فساد الحياة وإلى وقوع الظلم على الناس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت