الصفحة 91 من 92

إنه لا سبيل إلى إقامة الدعوة الصَّحيحة في هذا المجتمع النَّبيل ذي الأصالة والكرامة والحفاظ على ديمومتها و استمراريتها إلا إذا الْتَزَمَ الدُّعاةُ فيه بالأخلاق النبوية الكريمة، والشمائل العظيمة، وقَبِلُوا النَّقدَ البناء، وأحيوا روحَ التَّعاون بينهم بما تمليه الأخوة الإيمانية، وتقتضيه المحبةُ في الله، مع مراعاتهم لأحوال المدعوين وظروفهم، والأخذ بالوسائل المناسبة لتبليغ الدعوة على أحسن حال وأكمل وجه وفقًا للهُدَى بعيدًا عن الغُلُوِّ والجفاء، والمجاوزة والتقصير، و لكثيرًا ما تَدَخَّلَ الشيطانُ عند حِرْصِ الدَّاعية على استجابة المدعُوِّين، لينحرفَ به عن سبيل القصد.

قال ابن القيم رحمه الله:"وما أمَرَ الله بأمر إلاَّ وللشَّيطان فيه نزعتان، فإما إلى غُلُوٍّ ومجاوزة، وإمَّا إلى تفريط وتقصير، وهما آفَّتان لا يَخلُصُ منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم، وتَرَكَ الناسَ وآراءَهم لما جاء به، لا مَن تَرَك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم."

وهذان المَرَضان الخطيران قد استَوْلَيا على أكثر بني آدم، ولهذا حذَّر السَّلفُ منهما أشَدَّ التَّحذير، وخوَّفوا مَنِ ابْتُلِيَ بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشَّخْصِ الواحد، كما هو حال أكثر الخلق، يكونُ مُقَصِّرًا في بعض دينه غالبا، مُتجاوِزًا في بَعضِهِ، والمَهْدِيُّ مَن هداه الله" [1] ."

ظلال الدعوة:

لقد عاش المسلمون قرونا من الزمان كأروع ما تكون يستظلون بظل الشريعة السمحاء، يتبادلون كؤوسَ الصَّفْوِ والوُدِّ، ويتعاطون موائدَ الوفاء والسَّداد وقاموا بحق الله حتى أذعنت لهم العربُ والعجمُ، وسادوا الدنيا بالدين، وسَاسُوها بشريعة الأمين، ولم يزل هَدْيُ النبي صلى الله عليه و سلم للمسلمين هديا ومنهجا مُتََّبَعا، واضحَ المعالم، يَدْعون إليه من خرج عنه، ويُقوِّمون من اعوجَّ عنه، فالخير كل الخير في الدعوة إليه، ودلالةِ الناس عليه بحكمة وعلى بصيرة.

قال السَّعْدِيُّ في تفسير قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ] النحل:125 ["أي ليكُنْ دعاؤك للخلق مسلمِهم وكافرِهم إلى سبيل ربك المستقيم، المشتملِ على العلم النافع والعمل الصالح (بِالْحِكْمَةِ) أي كل أحد حسب حالة وفهمه"

(1) الروح 752/ 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت