وقد كان علماءُ السلف وقَّافين عند الحق، مستشعرين تَأَسِّي النَّاس بل دفعهم ذلك إلى اختيار القتل على فعل الحرام، رغم الإكراه، حتى لا يَقتديَ الناسُ بهم في الحرام [1] . وما ذلك إلا لأن التَّأسِّي بالأفعال كما قال الشَّاطبي:"بالنسبة لمن يعظم في الناس سر مبثوث في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال ولا سِيَّما عند الاعتياد والتَّكرار" [2] .
وقال ابن القيم رحمه الله:"علماءُ السُّوء جَلَسُوا على باب الجنة يَدْعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس هلُمُّوا قالت أفعالُهم لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أوَّلَ المستجيبن له، فهم في الصورة أَدِلاَّء، وفي الحقيقة قطاع طرق" [3] .
فعلى الداعية أن يستشعر ذلك ليَسُدَّ الخلَلَ، ويُصحِّحَ الأخطاء، ويبين الحق والصَّوابَ حتى لا يغتَرَّ الناسُ بالباطل وإن جاء مِن مَظِنَّة الحق.
البلاغ .. ويهدي الله من يشاء:
إن على الداعية السَّعْيَ لإقامة الدين ودلالة الناس على الخير، مستشعرا أن الأمرَ كلَّه لله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وحسبُ الداعية أن يجتهد في دعوته ويَسلُك فيها أحسن المسالك، ولا ينبغي أن يدفعَه حِرصُه على هداية الناس إلى الانحراف عن القصد في دعوته إلى أحد جانِبَي الإفراط والتفريط.
يقول سبحانه: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ] الغاشية:21 - 22 [.
وقد قال صلى الله عليه و سلم: (إنَّ من الناس مفاتحَ للخير مغاليقَ للشر، ومن الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل اللهُ مفتاحَ الخير على يديه، ووَيْلُُ لمن جعل الله مفتاح الشر على يده) [4] .
(1) راجع البداية والنهاية 244/ 9.
(2) الموفقات 249/ 4.
(3) الفوائد ص 80.
(4) رواه ابن أبي عاصم 297 من حدث أنس بسند حسن.