الصفحة 86 من 92

إنه لا بد للدعاة من النَّقد الموضوعي المتحلي بمكارم الأخلاق، والمتجرد من هوى الأنفس، لا بُدَّ لهم من قبول الآراء وتوفير الأجواء المشجعة، وردها إلى ميزان الشرع القويم، فبذلك تتضح العلل، وتكتشف الحلول، وتجتمع الجهود، وتُقدَّر الإمكانيات، وتحيى روح الابتكار، ويتجلَّى الحق على سبيل القصد دون إفراط ولا تفريط.

إن ثمة تحديات كثيرةً تواجهها الدعوة إلى الخير، لا سيَّما في هذا الزمان مما يوجب اليقظةَ والأناة، والقوة في الحق، والصبرَ عليه بعيدا عن الاندفاع الأهوج والحمية الطائشة، أو التنازل المُنَمَّق والاستسلام المُمَنْهج.

وقد كان لظهور الديمقراطية والحرب على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب- قلبا للمفاهيم وتغييرا للمناهج- وإطلاقِ العنان للعلمانيين، وصدِّ أجهزة الاستخبارات في بلاد الإسلام عن الدعوة الصحيحة أكبرُ أثَرٍ في زرع بُذور الانهزام، وغرس جذور الاستسلام في ساحات دعوية شاسعة، حتى ظهر ذلك الأثر على الأفراد والجماعات جليا لمن لم يكن هائما في التمييع باسم مراعاة الظروف وتقدير ملابسات الواقع، وتقديم مصلحة الدعوة الوهمية على النَّهج القويم ومقتضي الصراط المستقيم.

دعاة الإسلام الديمقراطي:

ومن ذلك الإسلام الديمقراطي أو الديمقراطية الإسلامية، وهو مشروع أمريكي خبيث، يهدف لتحييد شرع الله عن الأفهام وتغييب ضرورة تحكيمه من مناهج المسلمين، وقد بذل أعداءُ الدين في ذلك أموالًا طائلةً، وسخَّروا له مختلف الوسائل.

وقد سار مع ركبهم الكثيرُ من المنتسبين للدعوة إلى الخير، وركنوا إلى أطروحاتهم، ففتنوا المسلمين في دينهم متسترين وراء متطلبات العصر، وفهم الواقع، وغير ذلك مما هو في الحقيقة جهلٌ وانهزام.

ورغم ما في الديمقراطية من عَوار ومعاجزة لدين الله، كجعل الحكم لغير الله، والتشريع من دونه، والمساواة بين المتفاضلين، و رضا الكفار عن أهلها، ولا يرضون إلا عمن اتبعهم، وإنفاقهم الأموالَ لإقامتها، ولا ينفقونها إلا للصدِّ عن سبيل الله، والتشبه بهم، وطاعتهم، وجعل القرار للأغلبية، وفتح باب الحرية على مصراعيه، والتشاور في المعلوم من الدين بالضرورة، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الدعاة"الإسلاميين"من تبنِّيها، والدعوةِ إليها حتى طغت دعوتُه إليها على الدعوة إلى تعاليم الإسلام، بعد أن تفيئوا ظلال الدعوة الوارفة زمنا، وكأنَّ الديمقراطية هي المنقذ الحقيقي، أو هي الفرى، كلُّ الصيد في جوفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت