الصفحة 83 من 92

والعداوة فيه، وليس عجيبا أن يقع الخلاف، وإنما العجب كل العجب في انقياد الدعاة لحادي الفتنة وداعي الحمية جرَّاء ذلك الخلاف.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا أمر أحانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلح) .

ولا سبيل إلى ذلك ما لم يتنازل البعض عمَّا لا يمنع التنازل عنه، لخلق جو من الوفاق والصفاء، يسعى لخلقة المؤمن الهين اللَّين السهل القريب الذليل على المؤمنين، لا سيما الدعاة إلى الخير منهم، وإذا ما كان أحدُ الدعاة مُخطئا في حق أخيه، فالدفع بالَّتي هي أحسن والصفح والعفو سجايا يقتضيها التخلق بأخلاق الإسلام، ويفرضها عرفانُ سابق عهود المودة، وتَذكُّر سالف أيام الصفاء، وأحسن من قال:

أراك اتَّهمت أخاك الثِّقَهْ ... عندك مقت وعندي مقه ...

وأثنى عليك وقد سُؤتَني ... ما طيَّبَ العودُ مَنْ أحْرقَهْ

· عدم المؤاخذة بما فات:

ولا تنبغي مؤاخذة الدَّاعية بذنب تاب إلى الله منه، أو خطأ رجع عنه، فما من حكيم إلا وله هفوة، وما من جواد إلا وله كبوة، ومؤاخذة الدعاة بذنوبهم بعد التوبة منها وتتبع عوراتهم ليس من شيم الأخيار، إنما هو من عمل المتربصين بالدعوة إلى الخير وأهلها.

قال الإمام الشوكاني رحمه الله:"ومجرد وقوع التوبة وتحققها تمحو عنه ما اتصف به من سلب العدالة ويرده إلى الاتصاف بها" [1] .

بل إن من المعروف عند أهل الحديث أن التوبة تنفي عن الراوي ما كان متَّصفا به من الجرح بسبب الذنب، فيوثق وتقبل روايته، هذا في أخذ الحديث عنه، ناهيك عن قبول دعوته للحق، يقول السُّيوطي رحمه الله في ألفيته في الحديث:

وَقدِّم الجرح ولو عدَّلَهُ ... كثرُ في الأقوى فإن فصَّلَهَ ...

فقال منه تاب أو نفاه ... وجهه قدم من زكَّاه

(1) السيل الجرار في مجلد واحد ص 776 في كتاب الشهادات عند كلامه عن الفاسق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت