الصفحة 82 من 92

حتى وإن كان حقا بينه وبين ربه، فالواجب نصحه وستره ورجاء توبته منه وحسن سيرته بعده، فقد قال صلى الله عليه و سلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) [1] ، والدعاة إلى الخير وإن أخطأوا فهم أبعد ما يكونون من المجاهرة.

إنه لا ينبغي أن يسلك المؤمن مسلك القنوط واليأس من أخيه المبتلى بالمنكرات والآثام، فكيف يكون كذلك مع أخيه الداعية عند وقوعه في المخالفات وهو ليس معصوما، بل وقوعه في الذنب من مقتضيات البشرية و لكثيرًا ما استفاد من ذنبه لحكم أودعها الله في الذُّنوب لا يعلم حصرَها إلا الله.

وعن أبي هريرة قال: (أتي النبي صلى الله عليه و سلم بسكران، فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلمَّا انصرف قال رجل: مالَه؟ أخزاه الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) [2] .

إن تعامل الدعاة مع أخطاء بعضهم يحتاج إلى كثير من الحكمة والجرأة فضلا عن معرفة الحقائق ومعطيات الواقع، إن منهم من تقوده الحميَّة ودعوى الغيرة على الدين، ووهم الانتصار للحق إلى شنِّ هجومٍ شرس على الدعاة المخطئين في نظره، أو المخطئين فعلًا، بل يعلنها حربا لا هوادة فيها، فينتج عن ذلك فَقْدُ مكاسبَ دعوية جليلة، وضياعُ علاقات لا غنى للدعوة عنها، وتُخَلِّف وراء ذلك انطباعا سيئا عن الدعوة، وجراحا لن تندمل إلا بعد أمد بعيد بسبب الاندفاع الأهوج، والخلل في معرفة ملابسات الواقع، ولا يدل ذلك على قوة الموقف والثبات على المبادئ، بقدر ما يدل على خَبْط لا يناسب الدعوة، وطيْشٍ لا يَتلاءَمُ مع الحكمة.

· إصلاح ذات البين:

والآيات القرآنية دالة على وجوبه يقول تعالى ذكرُه: فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {] الأنفال:1 [، ويقول عز وجل:} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ] الحجرات:10 [.

وإذا لم يتصالح الدعاةُ إلى الخير، ويطفئوا جذوة الخلاف والنزاع وتبادلِ التُّهَم جرَّاء ذلك والأخذِ بالأخطاء، وتَركِ العفو والصفح، فَوَهْم إنشادُهم تَصالُح المجتمع وطمس معالم النزاع

(1) رواه البخاري 6069.

(2) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت