الصفحة 77 من 92

وقال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث:"ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح خشية الإملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة ولكنها على قسمين، إما كل يوم مع عدم التكلف، وإما يوما بعد يوم فيكون الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط، وإما يوما في الجمعة، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط" [1] .

فينبغي للداعية مراعاة أحوال الناس وظروفهم، فلا يملهم ولا يقنطهم ولا يحدثهم حال انصراف قلوبهم .. وإنما عليه أن يغتنم وقت تهيئهم لتبلغ الدعوة فيهم أبلغ مدى.

إنه لا سبل إلى نجاح الداعية وبلوغ مرامه ما لم ينظر في الواقع بعين الإنصاف ويزن الأمور بدقة، ويسلك مسلك القصد بين الغلو والجفاء، فهو كما قال الشَّاطبي رحمه الله عن المفتي البالغ ذروة الدرجة:"يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة فإنه قد مَرَّ أن مقصدَ الشارع من المكلف الحمل على المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما عن المذهب الوسطي مذموما عند العلماء الراسخين فإن الخروج عن الأطراف خارج العدل ولا تقوم به مصلحة الخلق، إما في طرف التشديد فإنه مهلك، وإما في طرف الانحلال فكذلك لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخر وهو مشاهد، وإما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، و الشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى و اتباع الهوى مهلك" [2] .

إن هذا المنهج هو الذي يمكن الداعية من الاستمرار في دعوته والديمومة فلا يدفعه الإعراض عنها إلى التوقف أو الانتكاس والابتعاد عن روح الدعوة وجوهرها، بل ينوع الأساليب، ويبتكر الطرق، متوخيا ما يظنه أنسب للتبليغ وأليق في الأحوال وأوغَل إلى القلوب وأجدر بالقبول حيث لا إفراط ولا تفريط.

· الائتلاف ونبذ الخلاف:

إن نصوصَ الكتاب والسنة حافلةُُ بأمر المؤمنين بالألفة والاجتماع، ونهيهم عن الفرقة والنزاع، يقول سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ] آل عمران:103 [

(1) فتح الباري 1/ 163.

(2) الموافقات 214.4/ 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت