وقال القرطبي رحمه الله:"وإنما نبَّهَهُ على هذا ليتهيأ لمناظرتهم، ويُعِدَّ الأدلة لإفحامهم، لأنهم أهل علم سابق، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان" [1] .
· مراعاة الأولويات:
إنه من الضروري معرفة مراتب الأعمال، ووضع كل عمل في موضعه وقد دل النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك وأرشد إليه في حديث بعث معاذ المتقدم، فنجده صلى الله عليه و سلم يأمره بدعوتهم إلى التوحيد الذي هو أصل الأصول، إذ لا ينبغي التجاوز إلى غيره من الأصول قبل إقامته ودعوتهم إليه، فضلا عن الفروع، وقد قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] التوبة:19 [.
فلا ينبغي إنزالُ الأعمال نفسَ المنزلة في الدعوة إليها، وفي سبيل تحقيقها، بل يُقدَّم أولى الأولويات، وأهم المهمات، فيقدم التوحيد على باقي الأصول، وهكذا تقدم الفرائضُ على النوافل، وفروض الأعيان على فروض الكفاية، وهذه يقدم منها ما فيه عجز قبل المتوفر، لأنه بقدر ما كانت دعوة الإنسان لما هو محتاج إليه بقدر ما وجدت التأثير، ولَقِيَت القبول، وهو ما لا يتم إلا بمعرفة الواقع، كيما يُحَدِّدَ الداعية حاجاتِ المجتمع، ثم يرتبها للدعوة إليها حسب أهميتها.
· النظر في المآلات:
ينبغي للداعية النظر في مآلات الأمور، قال الشاطبي رحمه الله:"قد يكون العمل في الأصل مشروعا لكن يُنهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعا لكن يُترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها سماح تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية، لكن مآلَه غيرُ مشروع، والأدلةُ الدَّالَّةُ على التوسع ورفع الحرج كلها، فإنها غالبها في عمل غير مشروع في الأصل لِمَا يؤول إليه من الرفق المشروع، ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها، قال ابن العربي حيث أخذ في تقرير هذه المسألة:"اختلف الناس في زعمهم فيها، وهي متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها") [2] ."
(1) المفهم ,شرح صحيح مسلم 1/ 181.
(2) الموافقات 4/ 163.