الصفحة 74 من 92

التجاوز ابتداعا، فقال:"ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب الحكمة في غير موضعها وسامعُها إما يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وهي فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق والعمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئا وهو أسلم" [1] .

· مراعاة العوائد والتقاليد:

يقول سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] إبراهيم:4 [، فقد اقتضت حكمة الله تعالى وكان:"من لطفه تعالى بخلقه أن يرسل رسلا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به"[2] .

(ولذا ينبغي للداعية التَّنبُّهُ والحرصُ على معرفة الأعراف والعوائد في البيئة التي يدعو فيها لتكون دعوتُه مؤثرةً في النفوس، مُقنعةً للعقول، محببة للقلوب مناسبة للظروف، قابلة للتطبيق، وحتى لا يخرج عن واقع الناس، فيتكلف بإنكار ما لا وجود له مثلا، فيقع إثر ذلك افتتان.

وكما يقال"لكل مقام مقال"ولكل حادث حديث"، نقول لكل بيئة أسلوب دعوة، ولكل ظرف خطاب إصلاحي، ومن ثَمَّ نزيد الأمور وضوحا بلزوم التفريق بين خطاب العامة وطبقة المثقفين أو المنظرين، فبالنسبة للعامة عليه أن يلقنهم المقدمات والنتائج معا، لأن وضعيتهم الذهنية والثقافية لا تمكنهم من الوصول إلى المحطات النهائية في كل قضية، أما في خطاب أفراد الصفوة فينبغي أن يبتعد قدر الإمكان عن فرض النتائج على المخاطب، بل تُعرض القضايا بحيث يصل هو إلى نتائجها، أو على الأقل أن يشارك في ذلك، لأن النتيجة من نِتاجه، ولأن المطلوب هو عينُ ما توصَّل إليه بعقله واستنتاجه) [3] ."

وفي حديث ابن عباس لما أرسل صلى الله عليه و سلم معاذا وقال له: (ستأتي قوما أهل كتاب) .. الحديث [4] ، قال ابن حجر رحمه الله:"قوله: (ستأتي قوما أهل كتاب) هي في كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أعلمَ في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان) [5] ."

(1) الاعتصام 2/ 13

(2) تفسير ابن كثير 2/ 522.

(3) مقومات الداعية الناجح 131.

(4) البخاري 7378 ومسلم 2804

(5) فتح الباري 3/ 350

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت