الصفحة 59 من 92

وقد أخطأ قوم عذروا بالجهل و ادِّعاء التأويل والخطأ في الاجتهاد مطلقا، وأخطأ آخرون فلم يعذروهم مطلقا، و الصَّوابُ التفصيل كما أخطأ الذين يُطلقون الحكم قبل قيام الحجة مطلقا والذين لا يطلقونه قبل إقامتها مطلقا، والصواب أيضا التفصيل، فأصل الدين والأمور الظاهرة لا يتوقف الحكم فيها على إقامة الحجة، بخلاف الأمور الخفية، وهذا واضح لمن تأمل وأدرك الفرق بين الاسم والحكم وعلاقتهما قبل وبعد قيام الحجة، وعلم أن ثمة كفرا يعذب عليه بسبب قيام الحجة و كفرا لا يعذب عليه لغياب الحجة الرسالية.

فمن وقع منه الشرك في أصل الدين جهلا مثلًًا، يحمل الاسم و لكنَّ حكمَ الردة و العذاب متوقف على قيام الحجة، وهذا هو المنهج الصَّواب الذي ارتضاه كثير من العُلماء و به يجتمع شمل الأدلة، ومن لم يسلكه يوشك أن يغرق في بحار الإرجاء أو يَتيهَ في فيافي الغُلُوِّ، والدعاة في غنى عن الخوض في هذه المسائل لجمع شملهم و تحديد هدفهم الذي هو نشر الخير بإقامة الدين و إرساء التقوى، مع بيان ما يجب بيانه من تلك المسائل لحاجة الساحة الدَّعْوية، لَكِنْ بحكمة وعلى بصيرة.

و لا بُدَّ للداعية من أن يجعل من صلب اهتماماته الدعوةَ إلى تحكيم ما أنزل الله، والتحاكمَ إليه، والكفر بما يُحكم من دونه، وموالاة المؤمنين والتبرؤ من أعداء الله، فإنه لا تستقيم الدعوة إلى التوحيد إلا بذلك.

ثُمَّ إن على الداعية أن يَطرُق القلوب برفق لتخالطها بشاشة ُالإيمان، ذلك لأن القلوب بيوت أصحابها، ولا سبيل إلى ذلك القصد الذي تتغير به القناعات، إلا بالتخلق بأحسن الأخلاق، و أكرم الشيم، والأخذ بأليق الأساليب وأقرب السبل، بعيدا عن طرفي الإفراط و التفريط.

2.الدعوة للإتباع:

والإتباع هو غاية الدعوة العظمى ومقصدها الأسمى، فَبِهِ تُدْفَعُ المفاسد وتجلب المصالح، وتكتسب مكارم الأخلاق، فتُظِلُّ المجتمعَ سحائبُ الهدى، ويتنسم نفحات الفضيلة في رياض السنة المُمْرعة، والإتباع هو دليل صحة الإيمان، وبرهان صدق المحبة، يقول سبحانه: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ] آل عمران:31 [.

ورسول الله صلى الله عليه و سلم أولى الناس بالإتباع، ذلك لأنه أكرم الناس وأحسنهم خلقا و أحرصهم على إنقاذ البشرية من ظلمات الشرك والعناد إلى نور الهداية والرشاد، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت