و قد روى البخاري من طريق الزبير بن عدي: (قال أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج فقال: اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر ُُّمنه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم محمد صلى الله عليه و سلم) [1] .
فالداعية يجعل من تمسكه بالحق و صبره عليه نورا يهتدي به، فيتحمل المشقة و العناء و يبتعد عن التسخط و الجزع والشكوى، و لا يقابل الناس بكآبة وجه، وعبوس جبين فإن ذلك ينافي الصبر الجميل.
و لْيخالط الناس و لْيصبر على أذاهم فقد قال صلى الله عليه و سلم: (المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس و لا يصبر على أذاهم) [2] .
19.حسن التعامل مع المخطئين:
لا ينبغي للداعية أن يزدري بالمخطئين أو يعنفهم عند الإنكار عليهم بل عليه أن يدعوهم إلى التوبة و يُذكرَهم بفضلها و يبين لهم محاسنها بأحسن الألفاظ و أطيب العبارات و ألطف معاملة، و يعلمهم أن الوقوع في الخطيئة من مقتضيات البشرية كما قال صلى الله عليه و سلم (كل بني آدم خطاء و خير الخطائين التوابون) [3] وأنه عسى الله أن يبدل سيئاتهم حسنات كما في قوله سبحانه: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ] الفرقان:70[.
فعليه أن يُرغبَه في الخيرات و يَدُلَّه على مكفرات الذنوب، و يُذَكِّرَه برحمة الله الواسعة و أبواب الفرج الكثيرة مبتعدا عن كل ما من شأنه أن يزهد في التوبة و يجعله يرى سبيل الفرج مسدودا أمامه.
وقد روى البخاري و غيره من طرق كثيرة أن رجلا أصاب من امرأة قُبلة فأتى النبي صلى الله عليه و سلم و ذكر له ذلك، فنزل قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ]هود:114 [.
(1) البخاري 7068.
(2) رواه البخاري في الأدب المفرد 388 وسنده صحيح وابن ماجه 4032 وفي سنده عبد الواحد بن صالح وهو مجهول وعنده (أعظم أجرا) بدل (خير) والترمذي 2507عن شيخ من أصحاب النبي ص, قال أبو عيسى: قال ابن عدي كان شعبة يرى أنه ابن عمر, وحسنه الحافظ في البلوغ 1449.
(3) رواه الترمذي وابن ماجه وذكره الحافظ في البلوغ 1478قال وسنده قوي.