والذين تسنّمو ذروة المجد والرقي في العالم بعد اليونانيين، هم الرومان. وفي هذه الأمة أيضًا نرى تلك السلسلة من الصعود والهبوط التي قد شاهدناها في اليونان فحينما خرج الرومان من عصر الوحشية وظلمة الجهل، وظهروا على مسرح التاريخ لأول مرة، كان الرجل رب الأسرة في مجتمعهم، له حقوق الملك كاملة على أهله وأولاده، بل بلغ من سلطته في هذا الشأن أن كان يجوز له حتى قتل زوجه في بعض الأحيان.
ولما تخففت فيهم سورة الوحشية وتقدموا خطوات في سبيل المدنية والحضارة، تحففت القسوة في تلك السلطة وجعلت الكفة تميل إلى الاستواء والاعتدال شيئًا فشيئًا، وإن بقي نظام الأسرة القديم ثابتًا على حاله. وهؤلاء لم يكن الحجاب عندهم معمولًا به -كاليونان- في إبان مجد الجمهورية الرومانية ورقيها. لكنهم كانوا قيدوا النساء والشاب عامة بقيود مثقلة من نظام الأسرة. فالعفاف كان شيئًا يُنظر إليه بعين الإجلال ولا سيما في شأن النساء، وكان يعدُّ مقياسًا للشرف وكرم المحتد. وكذلك كان مستوى الأخلاق عندهم عاليا. ومن أمثال ذلك أن اتفق ذات مرة أن عضوا في مجلس الشيوخ قبّل زوجته أمام ابنته. فغضب عليه اليوم وحكموا على صنيعه بأنه غض من كرامة الخلق القومي وإهانة له وأمضوا قرار النكير ( Vote of Censure) عليه في مجلس الشيوخ. هذا وما كان مباحًا عندهم ولا مرضيًا في أخلاقهم أن يتعاشر الرجل والمرأة بدون عقد مشروع. وما كانت المرأة تتبوأ مكانة العز والكرامة في المجتمع إلا بأن تكون أمًا لأسرة ( Matron) . والمومسات، وإن كانت طبقتهن موجودة وكان للرجال نوع من الحرية في مخادنتهن، إلا أن عامة الرومان وجمهورهم كانوا يزدرونهن وينظرون إليهن نظرة احتقار وتعيير. وكذلك ما كانوا ينظرون بعين الاستحسان إلى الرجال المخادنين لهن.
ثم أخذت نظرية الرومان في النساء تتبدل برقيهم وتقلبهم في منازل المدنية والحضارة. وما زال هذا التبديل يطرأ على نظمهم وقوانينهم المتعلقة بالأسرة وعقد الزواج والطلاق، إلى أن انقلب الأمر ظهرًا لبطن، وانعكست الحال رأسًا على عقب فلم يبق لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدني Civil Contract فحسب، يتوقف بقاؤه ومضيه على رضا المتعاقدين، وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلا. ومنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملك وجعلها القانون حرة طليقة لا سلطة عليها للأب ولا للزوج. ولم تصبح الرومانيات مستقلات بشؤون معايشهن فحسب، بل دخل في حوزة ملكهن وسلطانهن جزء عظيم من الثراء القومي على مسير الأيام. فكن يقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة، مما يعود به أزواج المثريات من النساء عبيدًا لهن في ميادين العمل والواقع. ثم سهلوا من أمر الطلاق تسهيلا جعله شيئًا عاديًا يلجًا إليه لأتفه الأسباب. فهذا (سينكا) الفيلسوف الروماني الشهير (4ق. م -56م) يندب كثرة الطلاق ويشكو تفاقم خطبه بين بني جلدته، فيقول:"إنه لم يعد الطلاق اليوم شيئًا يندم عليه أو يستحيا منه في بلاد الرومان. وقد بلغ من كثرته وذيوع أمره أن جعلت النساء يعددن أعمارهن بأعداد أزوجهن". وكانت المرأة الواحدة تتزوج رجلا بعد آخر وتمضي في ذلك من غير حياء. وقد ذكر مارشل (43 - 104م) امرأة تزوجت عشرة رجال وكذلك كتب جووينل (60 - 140م) عن امرأة تقلبت في أحضان ثمانية أزواج في خمس سنوات. وأعجب من كل ذلك وأغرب ما ذكره القديس جروم (340 - 420م) عن امرأة تزوجت في المرة الأخيرة الثالث والعشرين من أزواجها وكانت هي أيضًا الزوجة الحادية والعشرين لبعلها.