هؤلاء هم أشد الناس اعتراضًا على الحجاب. وهو في رأيهم شيء حقير ظاهر البطلان، يكفي لرده وإبطاله التهكم به والسخرية منه. ولكن مثلهم في ذلك كمثل من كان لا يجد ضرورة وجود الأنف على وجه الإنسان، فغدا يستهزئ بكل من رأى على وجهه آنفًا. فهذا الدليل الجاهلي لا يرعب إلا الجهلاء ويجب أن يفهموا -إن كانوا يعقلون- أن بيننا وبينهم اختلافًا أساسيًا يتعلق بأقدار الأشياء. فالأمور التي نغالي بقيمتها نحن، هي عند أولئك القوم رخيصة تافهة. ولذلك فإن الطريق العملي الذي نراه واجب الاتباع حسب معيارنا لتقدير الأشياء، لا بد أن يكون في ظنهم فضوليًا نكدًا. ولكنه ما دام بين الجانبين مثل هذا الاختلاف الأصلي الرئيسي، فمن الطيش وخفة العقل أن يبدأ المرء بحملته على الفروع، قبل أن يبحث ويتكلم في أصل الاختلاف ومبدئه. أما الأقدار الإنسانية فليس الحكم الفيصل في تعيينها وتحديدها إلا قوانين الفطرة. وذلك أن كل ما اقتضاه تركيب الوجود الإنساني تبعًا لقوانين الفطرة وما كان فيه فلاح الإنسان وصلاحه، هو وحده في الحقيقة يستحق العناية والتقدير .. فتعالوا إذًا! نختبر ما عندكم بهذا المقياس وننظر أينا على الحق في تعيين قيم الأشياء وأقدارها. فهاتوا براهينكم العلمية ونأتي ببراهيننا. ثم نضع هذه وتلك في كفتي الميزان ونوازن بينهما كأهل الصدق والرشاد، لنرى أيهما ترجح في الميزان وأيهما تشول. فإن أثبتنا لكم بذلك أن معيارنا للأقدار هو الصحيح، كان لكم الخيار في أن تقبلوا هذه الأقدار المستندة إلى العلم والعقل، أو تبقوا متمسكين بتلك الأقدار التي اخترتموها تبعًا لأهواء أنفسكم فحسب. ولكن موقفكم في هذا الأخير لا بد أن يكون من الخطأ والضعف بحيث يجعلكم أنتم موضع الهزء والسخرية، بدل أن تسخروا من غيركم.