ثم هناك طائفة ثانية، تواجهنا بعد الأولى. وإذا كانت الأولى متألفة من المسلمين وغير المسلمين، فهذه الثانية تشتمل في الغالب على المسلمين. وهؤلاء قد راج بينهم خلط عجيب من بعض السفور وبعض الحجاب، ولا يزالون (مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) فبجانب تنزع نفوسهم نزعة إسلامية، وهم لا يؤمنون بتلك المعايير التي قد جاء بها الإسلام للأخلاق والتهذّب والكرامة وحسن الفعال، ويريدون أن يُحلّوا نساءهم بحلي العفة والحياء، ويطهروا بيوتهم من الأدناس الخلقية، وليسوا مستعدين لقبول تلك النتائج التي قد ظهرت -ولا بد أن تظهر أبدًا- لاتباع مبادئ التمدن والاجتماع الغربيين. وبجانب آخر، هم زاحفون بأزواجهم وبناتهم وأخواتهم إلى الطريق الذي قد سلكته الحضارة الغربية، متعدين حدود النظام الاجتماعي الإسلامي، كارهين حينًا ومترددين آخر، تارة يُحجمون، وأخرى يقدمون، وقد ظنوا غلطًا في الفهم أنهم بالجمع بين بعض الطريق الغربي وبعض الطريق الإسلامي على هذا النحو، سيجنون منافع الطريقين وبركاتهما جميعًا، فستبقى الأخلاق الإسلامية في بيوتهم محفوظة موفورة ويبقى نظام حياتهم العائلية مجموعًا محكمًا، وسيجمع نظامهم الاجتماعي محاسن الاجتماع الغربي لا مساوئه ولذّاته ومنافعه دون مضاره. ولكن الحق أنه لا يصح -أولًا- تلقيح فرعين اقتطعا من حضارتين مختلفتين في المقاصد والغايات، لأن هذه المزاوجة المتكلّفة بين المتناقضين أحرى -في القياس- بأن تجمع مضارّهما جميعًا من أن تجلب منافعهما جميعًا. ثم إنه مما يناقض الفطرة ويخالف العقل إنك بعد أن تُرخي لنفسك من عنان النظام الخلقي الإسلامي المحكم وتعودها التعدي لحدود القانون قد تتمكن من كبح جماحها عند الحد الذي ترى الوقوف عند خاليًا من الضرر. فهذا الشغف بالأزياء العارية والتفاني في الزينة والتبرج، والبدء بتعوّد الجراءة في مجالس الخلان، والإقبال المتزايد على الصورة العارية والقصص الغرامية، وتعليم البنات على الطراز الغربي. كل هذه المظاهر لمجاوزتك حدود الاجتماع الإسلامي إن كانت لا تعود عليك بنتائج عاجلة، ولا تنال مضارّها الجيل الحاضر، ولكنه من البلاهة والحمق الظن بأن الأجيال القادمة أيضًا ستسلم من أضرارها. ذلك بأن بداية كل طريق منحرف في التمدن والاجتماع تكون لا شك حقيرة متواضعة ولكنها إذا انتقلت من جيل إلى آخر، ومن ثان إلى ثالث، فإنها تعود خطأ عظيمًا وأمرًا مستفحلًا ومصداق ذلك أوربة وأميركا، فإن الأسس الخاطئة المعوّجة التي نظم عليها اجتماعهما من جديد. لم تظهر نتائجها فيهما عاجلة، بل تم ظهور تلك النتائج الكاملة أخيرًا في الجيل الثالث والرابع. لذلك كان هذا الجمع المتكلف بين الطرق الغربية والطرق الإسلامية، وهذا الحجاب السافر، ليس بشيء ثابت مستقر بل رجحانه الطبيعي إلى الطريقة الغربية المتطرفة. والذي هم مستمسكون به الآن، يجب أن يعلموا أنهم بعد في بداية المسير الذي إن لم يصل إلى نهايته هؤلاء، فلا بد أن يصل إليهم خلفهم أو الجيل الذي يليهم.