الصفحة 48 من 200

ثم لهذه الفنون الجميلة، تعمل المسارح والمقاهي والسينما وأبهاء الموسيقى وغيرها من أنواع الملاهي، فإن المسرحيات التي يشاهد تمثيلها أعلى الطبقات الفرنسية بإقبال واشتياق، والتي ينال مؤلّفوها وممثّلوها الناجحون أوفر حظّ من إعجاب الأمة ورضاها، تكون كلها مملوءة بدواعي الشهوة البهيمية، ولا تكون ميزتها البارزة إلا أن تعرض على النظّارة أحطّ ما يمكن من خلق إنساني بمعرض أسوة حسنة ومثل أعلى يمثل. فيقول بول بيورو:"أن من أراد من الباحثين أن يطالع حياتنا المدنية من خلال هذه النماذج للحياة، التي لا يزال يعرضها كُتاب مسرحياتنا، منذ ثلاثين أو أربعين عامًا، فلا جرم أنه يستنتج أن جميع الأزواج المتزوجة في مجتمعنا قوم خونة متجردون من الوفاء اللازم للعشرة الزوجية. فيكون كل زوج منا إمّا بليدًا غافلا، أو يكون لزوجيته بلاء ونكبة. وأما الزوجة فأحسن خالصها أن تكون في كل حين متبرمة من زوجها، تكاد تميل بهواها عنه إلى غيره".

وإذا كانت هذه حال المسارح التي تتفرّج بها الطبقات العالية فقدر في نفسك ما عسى أن تكون عليه ملاهي العامة ومسرحياتهم فكل ما قد يعجب أوغاد الناس وسفلتهم، من أساليب الكلام وحركات الدلال ومناظر العري، تعرضه هذه المسارح على منابرها بدون حياء وتذمم، وبغير قناع من تعريض أو كناية. وتؤكد للعامة من طريق الإعلان أن كل ما تتطلبه شهواتهم النفسية مهيّأ عندها، وأن عرضها على المنصة يكون واقعيًا ( Realistic) لا تشينه الصنعة والتكلّف. وقد جاء أميل بوريسي في تقريره بأمثلة متعددة من أحوال تلك المسارح، دُوّنت بعد جولات في مختلف الملاهي والملاعب. فيقول وقد كنى عن أسمائها بحروف الهجاء:

*"كانت أغاني الممثلة وفرديّاتها ( Monologues) وحركاتها في مسرح (ب) غاية في الخنا والفحش. وكان المنظر الخلقي من ورائها يكاد يصور آخر مدارج الاختلاط الجنسي. أما نظارة المسرح فكانوا أكثر من ألف، يُرى من بينهم الأشراف أيضًا. وكان المجمع كله كالمسحور بسحر العَرض، يرفع صوته بالترحيب والتحسين كل حين وآخر!"

*"وفي مسرح (ن) كانت الأغاني القصار وما تخلّلها من كُليمات وما صحبها من حركات ولفتات، بالغة من الوقاحة والتبذل أقصاه. وكان هناك صبيان وفتية أصاغر، يشهدون هذا العرض مع الأكابر، ويصفقون بأيديهم عند كل منظر شديد الوقاحة".

*"وفي (ل) صاح الحضور خمس مرات بالممثلة يطلبون منها تكرير تمثيلها الذي كانت تختمه بأغنية ممعنة في الخنا والهجر".

*"وفي (س) ألح النظارة على ممثلة فحملوها مرة بعد أخرى، على إعادة عرض متماد في الفحش، حتى صاحت بهم غاضبة: قاتلكم الله يا فُجار! ألا ترون أن بجانبكم في هذه القاعة صغارًا، ثم انصرفت من المنصة بدون أن تستكمل دورها في ذلك الفصل من المسرحية. فكان ذلك العرض بالغًا من الدناءة والفُحش أن لم تصبر على تكراره حتى تلك الماجنة المعتادة".

*"وفي مسرح (ز) اقترعوا على الممثلات، بعد ختام المسرحية، وكن بأنفسهن يبعن تذاكر اليانصيب بعشرة سانتيمات. فأي من طارت له إحداهن، بات معها تلك الليلة".

ويكتب بول بيورو: إنه ربما تُعرض على المنصة نساء عاريات لا تكون على أجسامهن خرقة ثوب. وقد كتب أدولف برياسون ( Adolphe Briason) في جريدة طان ( Tamps) الفرنسية المشهورة، يحتج ويعترض على مثل هذه المنكرات:"لقد بلغ السيل الزبى. ولم يبق بعد هذا كله سوى أن يُعرض على أنظار الناس منظر الفاحشة بعينها والحق أن (الفن الجميل) لن يستكمل بدون ذلك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت